(ربّ العالمين) إذا كان (العالمون) هم صور الأسماء ، وهي الأعيان الثابتة ، فإنّ الربوبية تكون ذاتية ، وتكون راجعة إلى مقام (الاُلوهية الذاتية) حيث اسم اللّه الأعظم ، وذلك لأنّ الأعيان الثابتة إنّما تحقّقت ـ بالتحقّق العلمي ـ من خلال التجلّي الذاتي في مقام (الواحدية) تبعاً للاسم الجامع المتعيّن بتجلّي الفيض الأقدس.
ومعنى الربوبية في ذلك المقام المقدّس هو : التجلّي بمقام الاُلوهية ، وبهذا التجلّي يكون تعيّن جميع الأسماء ، فتتعيّن أوّلا العين الثابتة للإنسان الكامل ، ثمّ تكون الأعيان الاُخرى في ظلّه.
و (بـ) الرحمانية والرحيمية يكون إظهار هذه الأعيان من غيب الهوية إلى اُفق الشهادة المطلقة ، و (بهما يكون) إيداع فطرة العشق والمحبّة للكمال المطلق في خميرة تلك الأعيان.
وبتلك الفطرة العشقية السابقة ، وبتلك الجذبة القهرية المالكة التي تأخذ بناصيتها (الأعيان) ، فتصل إلى مقام (الجزاء المطلق) ، حيث الاستغراق في بحر كمال الواحدية (ألا إلى اللّهِ تَصِيرُ الاُمُور) (١).
وبهذه الطريقة تكون الذات المقدّسة هي غاية آمال الموجودات ونهاية تحرّكها ، ومنتهى مختلف أشكال اشتياقها ومرجعها ، ومعشوقة الكائنات ومحبوبة العشّاق ومطلب المجذوبين ، حتّى إنّهم وإن كانوا محجوبين عن هذا المطلوب ، ويرون أنفسهم عبّاداً وعشّاقاً وطلاّباً ومجذوبين لاُمور اُخرى.
وهذا هو حجاب الفطرة الأكبر ، الذي يجب على السالك إلى اللّه أن يخرقه بقدم معرفته ، وما دام لم يصل إلى هذا المقام ، فلا يحقّ له أن يقول : «إيّاك نعبد» ،
__________________
(١) سورة الشورى ، الآية ٥٣.
