وإذا رأى السالك بقدر قدمه في السلوك أنّ دائرة الوجود هي اسم اللّه ، أمكنه عندئذ أن يرد في فاتحة كتاب اللّه ويكون مفتاح كنز اللّه ، وحينئذ يرجع كلّ ثناء وكلّ المحامد إلى الحقّ بمقام الاسم الجامع ، فلا يرى لأيّ من الموجودات فضلا ولا فضيلة ، لأنّ إثبات فضيلة أو كمال لموجود ـ سوى الحقّ ـ يناقض رؤية «الإسمية».
وإذا قال : (بسم اللّه) على الحقيقة (بصدق) ، أمكنه عندئذ أن يقول : (الحمد للّه) على الحقيقة (بصدق أيضاً).
أمّا إذا ظلّ محجوباً عن (مقام الإسم) وكان ـ مثل إبليس ـ في حجاب (الخلق) فلا يمكنه ـ والحال هذه ـ أن يُرجع المحامد للحقّ.
وما دام في حجاب الأنانية ، فهو محجوب عن العبودية و (مقام) الإسمية ، وما دام محروماً من هذا المقام ، فلن يصل إلى مقام (الحامدية).
وإذا وصل إلى مقام (الحامدية) بقدم العبودية وحقيقة الإسمية ، عرف حينئذ أنّ صفة الحامدية ثابتة للحقّ أيضاً ، فيعتبر ويرى أنّ الحقّ هو الحامد وهو المحمود.
ولكنّه ما دام يرى نفسه الحامد ، والحقّ هو المحمود ، فليس هو حامد للحقّ ، وإنّما حامد للحقّ والخلق ، بل إنّه حامد لنفسه فقط ، ومحجوب عن الحقّ وحمده.
وإذا وصل إلى مقام (الحامدية) ، كان عندئذ قوله : (أنت كما أثنيت على نفسك) ، فيخرج من حجاب (الحامدية) المقرون بالجدال ، والملازم لإثبات (المحمودية) ، وحينئذ تكون مقالة السالك في هذا المقام هي على هذا النحو (باسمه الحمد له ، منه الحمد وله الحمد).
وهذه هي ثمرة التقرّب بالنوافل ، وقد وردت إشارة إليها في الحديث (القدسي) الشريف : «فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ... الخ».
