البحث ودقَّ ، فتناول الرسالة ومعانيها الايجابيَّة في المُجتمع ، مِن حيث المقاصد والغايات والتصاميم ، حتَّى إنَّه تطرَّق إلى دراسة النُّظم التي تضبط المُجتمع وتصونه ، ومِن أحكمها وأعقلها خَطُّ الإمامة. ولقد جرى تقويم عامٌّ لفترة الإمامة التي زاولها أبوهما عليٌّ ، وكان التساؤل : هل هنالك تحقيق ما؟ أم أنَّه فشلٌ وإخفاق؟ أمَّا الأسباب التي أدَّت إلى ما يُسمَّى فشلاً وإخفاقاً ، فإنَّها كانت في مجال مِن البحث والتعليل والتحليل ، تفرَّعت منه التحسُّبات والتحوُّطات التي سيكون عليهما أنْ يتَّخذا منها عِدَّة للغد الذي يبدو أنَّه مُعتِّمٌ قاسٍ.
إنَّ الحسن وحده كان المُستفيض في البحث والتحليل ، أمَّا الحسين الذي كان مصبوغاً بحُزنه ، فإنَّه كان المُصغي باحترام إلى كلِّ كلمة كان يتنفَّس بها أخوه الحسن ، كأنَّه يسمعها مِن ثلاثة أفواه تنزل في أُذنه ، ونفسه ، واشتياقه ، دفعة واحدة : فَمِ أُمِّه الندي ، وفَمِ جَدِّه الصادق ، وفَمِ أبيه المُفعَم بالحَقِّ ... يا للأحضان تُناديه في لمِّه وحَضْنه!! لقد طواها الغياب ، إنَّما هي أبداً هيمنة في الروح ، والنفس ، والبال ، وإنَّما هي ذُخر نفيس في هذا الحِضن الذي بقي وحده الآن ، وهو يتكلَّم كأنَّ الثلاثة الذين غابوا هُمْ ـ به ـ يتكلَّمون ، وبحضوره يستمرُّون.
لو أنَّنا نقدر أنْ نُصغي الآن إلى شمول كان يعنيه الحسن ، كأنِّي به لم يعتنِ كثيراً بحصره في مادَّة الحروف ، ولكنَّه قد سكبه في كلِّ ما نهج به ، بعد أنْ تناول الإمامة عن أبيه ، وهي ـ أبداً ـ كُنهه المُكتنز بالفَهم والنُّضج ، وكأنِّي الآن أسمعه يتكلَّم أوَّلاً عن المُجتمع وعن دورهم فيه :
الحسن : ـ هل مِن حاجة يا أخي إلى توضيح وبيان ، إنَّ جَدَّنا العظيم هو الناطق بالحَقِّ ، وهو العقل والروح الناطقان بالنبوَّة المنزلة في الساحة؟ أنا أفهم الآن أنَّ الرسالة هي قضيَّة مِن قضايا جوهر الإنسان ، أمَّا الإنسان ، فهو المُطلق فيها ، ولكنَّه أوَّلاً إنسان الأُمَّة التي هي أمَّة جَدِّي ، كأنِّي بالأُمَّة هذه هي التي استدعت جَدِّي بكلِّ ما لها مِن زَخم جالٍ في روحها ، وعزمها
