في معركة أُحد بنت البطولة التي حقَّقت النصر؟! إنَّي أرى المُجازفة بنت الحِكمة ، فلنرمِ بنفسنا إلى الساحة حتَّى لا نخسر الفرصة بإعطاء الوقت الكافي لهروب اللُّص الذي سرق. أنا أقول ـ مثلك يا أبي ـ : لم يَقتل عثمان إلاَّ عمر ، فهل يكون لمُعاوية ثأر مِنَّا والجاني عمر؟!!.
ولكنَّ أُمَّة جَدِّي هي الضحيَّة ، وهل لغيرنا نحن أنْ يثأر؟!
لم يمرَّ هزيع أوَّل مِن ذلك الليل إلاَّ وكانت القوافل وخيول الجُند ، تترك المدينة وتستلم الخَطَّ المارَّ بالتنعيم ، والصفاح ، ووادي العقيق والقادسيَّة ، وكلُّها مَحطَّات تؤدِّي إلى البصرة والكوفة والشام.
ـ ١١ ـ
وأخيراً وصل الرجل الدعَّابة إلى الحُكم ، ولكنَّه قُتِل! أتكون دُعابته هي التي طعنه بها ابن مُلجم! وهو خاشع تحتها في مِحراب المسجد؟! ومِن أين لابن مُلجم أنْ يعرف معنى الكلمة : بأنَّه المزاح الخفيف في الطبع ، والمزيَّة البهلوانيَّة التي هي لُعبة يمرح بها الصِبْية في ليالي الطيش ، وفي خبايا الازَّقة ليلة العيد! أم أنَّه سمع عمر بن الخطاب يصف بها رفيقه عليَّاً بالجهاد ، ليلة ألَّف مجلس الشورى السُّداسي ، فلم يترك أحداً مِن السِّتَّة إلاّ دلَّ إليه بالمزيَّة التي فيه ، والتي تُعرقل وصوله إلى كُرسيِّ الخلافة ، وكان يتمنَّى على كلِّ فردٍ منهم : لو يَقدر أنْ يتنفض منها حتَّى يأتي الخلافة وهو في تمام استحقاقها ، أمَّا تمنِّيه على عليٍّ فكان حُكماً له بأنَّه يكون أمثل مَن يتولاَّها لولا دُعابة فيه تُبعده عنها ...
ولكنَّ التاريخ ـ وهو جليل القدر إذ يُمحِّص ويتبنَّى الحَزم والجزم في الحُكم ـ لم يتمنطق بشيء مِن فلسفته التي تُسمَّى (فلسفة التاريخ) وبها تتغربل المعاني والأحداث ، وأبقى على الكلمة خارجة مِن فَمِ عمر ، ولا صقة بعُنق عليٍّ ، دون أنْ
