هذا أنا يا أبي ، في شعوري والتفافي بقضيَّة أُدافع عنها بأُسلوب مِن عُنفوان. أمَّا رأي أخي ، ولا أظنُّك إلاَّ وتعطف عليه ، فهو المُصيب في الواقع الجريح! أمَّا رأيي ، فلا أجرؤ ـ أبداً ـ أنْ أُبديه. جُلُّ ما أقول : إنَّ الأُمَّة بحاجة إلى دراية ... ولكنَّها لن تحيا بغير العُنفوان.
تناول علي ابنه الحسين ، وطواه على أخيه الحسن ، وهو يبكي ، كأنَّه يوحي إلينا أنَّه يقول :
ـ سيكون للأُمَّة أنْ تنجح بكما ـ يا ابنيَّ ويا ابني محمد ـ ... إنْ لم يكن في الغَد ، فبَعد الغَد ... إنَّ لساعة الحَقِّ ـ وإنْ طالت ـ قَرعاً تحبل به الثواني ، وتتجلَّى به باحات العُمر ... إنَّ الدهر الكبير يلتفُّ بالصبر ... وإنَّ الصبر الكبير لا تضيق به الثواني.
ـ ٧ ـ
مِن مَحطَّة إلى مَحطَّة ، هكذا يقطع الطريق ، تكون المَحطَّة الأُولى بداية نُزهة ، ثمَّ تأتي الثانية فتتحوَّل إلى مشوارٍ. أمَّا الثالثة فإنَّها تُصبح شوطاً ، لتأتي الرابعة وما سيليها ، فتلبس النعل الثقيل ، والسروال المُدبَّغ بالغبار والوحول ، ولا تعود تدري كيف تمشي ، وأين هي مِن المسيرة ، إنَّها الرحلة.
لقد كانت المحطَّة الأُولى مَحطَّة السقيفة ، وذلك إذ ترك الرسول الكريم كلَّ المحطَّات التي مشاها على الأرض ، بعد أنْ مسحها مِن لوثات الغبار ، وأوصى الذين سيمشون بعده في رحلة العمر ، أنْ يتوقُّوا إثارة الغِبار وهم يمشون فيعموا عن الطريق.
بالحقيقة المستورة كانت السقيفة مَحطَّة أُولى تَنزَّه بها القوم ، لقد توقُّوا أنْ لا يُثيروا غِباراً ؛ لهذا فإنَّهم مشوها في الليل ، وتقريباً بلا كثير مِن قرقعة ، وانتهت
