الحسين : ـ كلامك ـ يا أبي ـ هو الصحيح في التلميح ، لقد تحسَّسته وأنا طفل أمرح مِن حِضن أُمي إلى حِضنك ، إلى منكبي جَدِّي فوق منبر المسجد ، لقد نقشتْ في نفسي الطفولة تلك نقشاً لا يُمكن أنْ أجد أعمق منه في وجودي وكياني!!! مَن هي أُمِّي؟! مَن هو أبي؟! مَن هو جَدِّي؟! لقد شرحت لي ـ وأنت تُلقمني لقمة العيش ـ أنَّا نحن أهل البيت ، ما خُصِّصنا بالبيت إلاَّ لأنَّنا أهل البيت. إنَّني أشعر الآن أنَّنا نحن الأُمَّة التي سحبها جَدِّي مِن غفلة الأيَّام والسنين ... أنا لست صغيراً ـ يا أبي ـ وأنا في حدود تكاد لا تتجاوز بي الثلاثة عشر مِن سنوات العمر ... إنِّي أشعر أنِّي مِن عمر الرسالة التي اختصر بها جَدِّي عمر الدهر في رحلة عبر الزمان ، إنَّي اشعر ـ الآن وأنا مِن صُلبك في العتوِّ ـ أنَّي هزَّة مِن هزَّات العتوِّ ، وأنِّي زهوة مِن زهوات العُنفوان ... لقد اهتزَّ كياني ـ يا أبي ـ عندما لمحت أنَّ شجرة الأراك مِن ساحة بيتنا قد اقتلعوها ؛ لأنَّها ظِلُّنا في ضغط الهجيرة ، ولقد التهبت بما لا أعرف كيف أُسمِّيه ، عندما سمعت أُمِّي تُندِّد الخليفة أبا بكر ؛ لأنَّه اقتلع مِن حَقِّنا ميراثنا في فَدك ، ولا أعرف كيف أصف لك شعوري عندما أدركت أنَّ المدعوَّ صِدِّيقا ، تَمكَّن مِن اختلاس إمارة هي لك في الرسالة ، وفي القضيَّة وفي الوصيَّة ، فأين أنت؟ وأين جَدِّي؟ مُمرَّغين بالعُقوق والعِصيان!!! وما كدت أسمع شرحك الآن ، حتَّى تملَّكتني هزَّة كأنَّها ألقتنا جميعاً في وَهدة الاندحار!!!
أنا لم أشرد عنك يا أبي ، كما وأنَّني لم أشرد عن تحسُّس صواب آخر أبداه أخي الحسن ، كأنَّه ضِلع مِن ضِلوع تلك الأُمِّ المسكينة ، وهي تشتري ابنها مِن قَبضتي لِصٍّ قد خطفه ، إنَّها تدفع له ثمن اللصوصيَّة ، لقاء استرجاع فلذتها إليها!!!
