وهدفنا وقضيَّتنا في الوجود الإنساني الكريم ، الذي ستبقى تعمل الرسالة على تحقيقه؟
أمَّا الإمام ، وقد تلألأت أساريره بفيض مِن الرضى ، فإنَّه ابتسم وقال : نِعمَّا أنت ـ يا أبني يا الحسن ـ أُتراني لا احترم رأيك ، وألمح فيه سِماتٍ مِن ملامح جَدِّك في المجال؟ سأُنقِّح رأيك بعد أنْ نستمع إلى أخيك الحسين ... ألا تُريد أنْ تعود مِن شُرودك يا الحسين؟
فعلاً ، لقد كان الحسين شارداً ، خصوصا هو يُصغي إلى الطرح الكبير الذي قدَّمه أبوه ، فكان إلماماً ـ وإنْ مُختصراً ـ بواقع الجزيرة ، وبواقعهم هم فيها ، مِن حيث دورهم في عمليَّة تثبيت الأُمَّة على أركانها المتينة ، ومِن حيث إنَّ الارتداد عليهم ليس هو الاَّ كفرٌ بهم ، وكفر بالقيمة السَنْيَّة التي تستحقُّ الثواب لا العقاب ، ولقد زاد شروداً ـ بنوعٍ أخصّ ـ عندما راح يُصغي إلى رأي أخيه الحسن ، داعياً إلى التصبُّر والتأنِّي ، ومَصَّ جرح الكَفِّ حتَّى يندمل الجرح وتعود الكَفُّ فتستأنف مُجدَّداً امْتِشْاق الحُسام.
لقد كان للحسين مِزاج رهيف ، يمزجه بأخيه الحسن مزجاً أنيقاً ، ولكنَّ شعرة رفيقة كانت دائماً تتسَّحب بين المزاجين على صعوبة في لمحها ، وعلى صعوبة ـ أيضاً ـ في اعتبارها خيطاً فاصلاً بين وحدتين ، مِن هنا إنَّ الحسن والحسين ، كانا جَنَّة في حساب الحُلم ، يُكمِّل الواحد منهما الآخر : هنالك شمس تُدفِّيء الزرع ، وهنا كوثر يروي الزرع ، وبين حرارة الدِّفء وبرودة الري ينبثُّ النور ويسرع الإمراع.
لقد كانت الشعرة الفاصلة بين المزاجين تستعدُّ دائماً ، لأنْ تُنمِّي في الحسن ثورة تتأنَّى وهي تتروَّض بالصبر والاحتمال ، بينما كانت هنا في الحسين أكثر إلحاحاً ، وأشدَّ تمسُّكاً بالعُنفوان ، أمَّا العُنفوان فإنَّه كان مع الاثنين واحداً لا يتجزَّأ. إنَّ القضيَّة الواحدة هي التي كانت تلوِّن ثوبه : أبيض مع الحسن ، أحمر مع الحسين الذي يلتمُّ الآن مِن شروده مُتَّجهاً نحو أبيه.
