وكُنْيَتُه أَبُو دُسْمَةَ ، وكانَ مَوْلَى جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ القُرَشِيِّ ، رَضِيَ الله تَعَالَى عنه ، وهو قاتِلُ حَمْزَةَ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ في الجَاهِليَّةِ ، قال شَيْخُنَا : لَعَلَّ المُرَادَ جاهِلِيّةُ نَفْسِ القاتِلِ ، وإِلاَّ فَهُوَ إِنّمَا قَتَلَه في الإِسْلامِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. قُلْتُ : وهُوِ كما ظَنَّ ، ويَدُلُّ لَهُ فِيمَا بَعْد : ومُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ في الإِسلامِ ، أَيْ حالَةَ كَوْنِهِ مُسْلِماً ، أَي فجَبَر ذاكَ بِذَا.
والوَحْشِيَّةُ : رِيحٌ تَدْخُل تَحْتَ ثِيَابِكَ لِقُوَّتِها ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ أَبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيَّ :
|
ولَقَدْ غَدَوْتُ (١) وصاحِبي وَحْشِيَّةٌ |
|
تَحْتَ الرِّدَاءِ بَصِيرَةٌ بالمُشْرِفِ |
وقَوْلُه : بَصِيرَةٌ بالمُشْرِفِ يَعْنِي الرِّيحَ ، مَنْ أَشْرَفَ لَها أَصابَتْهُ ، والرِّداءُ : السّيْفُ ، وقَد تَقَدَّم في «ب ص ر».
وبَلَدٌ وَحْشٌ : قَفْرٌ لا سَاكِنَ به ، ومَكَانٌ وَحْشٌ : خالٍ ، وكَذلِكَ أَرْضٌ وَحْشَةٌ ، بالفَتْحِ ، وفي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ «أَنَّهَا كانَتْ في مَكَانٍ وَحْشٍ فخِيفَ عَلَى ناحِيَتِهَا» أَيْ خلاءٍ لا سَاكِنَ بهِ ، وفي حَدِيثِ المَدِينَةِ : «فيَجِدَانِه وَحْشاً». ولَقِيتُه بِوَحْشِ إِصْمِتَ وإِصْمِتَةَ ، أَيْ بِبَلَدٍ قَفْرٍ ، وكَذَا تَرَكْتُه بوَحْشِ المَتْنِ ، أَيْ بِحَيْثُ لا يُقْدَرُ عَلَيْه ، وقال ياقُوت في المُعْجَمِ : إِصْمِتُ ، بالكَسْرِ : اسْمٌ لبَرِّيَّةٍ بعَيْنِها قال الرّاعي :
|
أَشْلَى سَلُوقِيَّةً بَاتَتْ وبَاتَ بِهَا |
|
بوَحْشِ إِصْمِتَ في أَصْلابِها أَوَدُ (٢) |
وقَالَ بَعْضُهُم : العَلَمُ هُوَ وَحْشُ إِصْمِتَ ، الكَلِمَتَانِ مَعاً ، قالَ أَبُو زَيْدٍ : لَقِيتُه بوَحْشِ إِصْمِتَ ، وببَلْدَةِ إِصْمِتَ ، أَي بمكَانٍ قَفْرٍ ، وإِصْمِتَ : مَنْقُولٌ من فِعلِ الأَمْرِ مُجَرّدًا عن الضّمِيرِ ، وقُطِعَت هَمْزَتُه ، لِيَجْرِيَ عَلى غالِبِ الأَسماءِ ، هكذا جَمِيعُ ما يُسَمَّى به من فِعْلِ الأَمْرِ ، وكَسْرُ الهَمْزَةِ في إِصْمِت إِما لُغَةٌ لَمْ تَبْلُغْنَا وإِمّا أَنْ يَكُونَ غُيِّرَ في التَّسْمِيَةِ بِهِ عن اصْمُتْ ، بالضَّمِّ الَّذي هُو مَنْقُولٌ من مُضارِع هذا الفِعْلِ ، وإِمّا أَنْ يَكُونَ مُرْتَجَلاً وَافَقَ (٣) فعلَ الأَمْرِ الَّذِي بمَعْنَى اسْكُت ، ورُبَّمَا كانَ تَسْمِيَةُ هذِه الصّحراءِ بهذا الفِعْلِ لِلْغَلَبَةِ ، لِكَثْرَةِ مَا يَقُولُ الرّجُلُ لِصَاحِبِه إِذا سَلَكَهَا : اصْمُتْ.
لِئَلاَّ تُسْمَع فتَهْلِكَ (٤) لِشِدَّةِ الخَوْفِ بِهَا.
وبات وَحْشاً بالفَتْحِ وككَتِفٍ ، أَيْ جائِعاً لَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فخَلَا جَوْفُه ، ومِنْهُ حَدِيثُ سَلَمةَ بنِ صَخْرٍ البَيَاضِيِّ ، رَضِيَ الله تَعَالَى عنه : «لَقَدْ بِتْنَا وَحْشِينَ (٥) ما لَنَا طَعَامٌ» وقال حُمَيْدٌ يَصِف ذِئْباً :
|
وإِنْ بَاتَ وَحْشاً لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِهِا |
|
ذِرَاعاً ولَمْ يُصْبِحْ بِهَا وهو خاشِعُ |
وقد أَوْحَشَ ، وهُمْ أَوْحَاشٌ ، يُقَال : بِتْنَا أَوْحاشاً : أَيْ جائِعِينَ.
والوَحْشَةُ : الهَمُّ.
والوَحْشَةُ : الخَلْوَةُ.
والوَحْشَةُ : الخَوْفُ ، وقِيلَ : الفَرَقُ الحَاصِلُ من الخَلْوَةِ ، وكَذلِكَ يُقَالُ : أَخَذَتْهُ الوَحْشَةُ.
والوَحْشَةُ : الأَرْضُ المُسْتَوْحِشَةُ ، وقَدْ تَوَحَّشَتْ.
ووَحَشَ بثَوْبِه ، كوَعَدَ ، وكَذا بسَيْفهِ ، وبرُمْحِه : رَمَى بهِ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرَكَ* ؛ لِيُخَفِّفَ عن دَابَّتِه ، كوَحَّشَ بِه مُشَدّداً ، والتّخْفِيفُ عن ابنِ الأَعْرَابِيِّ ، وأَنْكَر التّشْدِيدَ ، وهُمَا لُغَتَان صَحِيحَتَان ، قالَتْ أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ وَقْدَانَ :
|
إِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَطْلُبُوا بِأَخِيكُمُ |
|
فذَرُوا السِّلاحَ ووَحِّشُوا بالأَبْرَقِ |
وفي حَدِيثِ الأَوْسِ والخَزْرَجِ : «فوَحَّشُوا بأَسْلِحَتِهِمْ ، واعْتَنَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً». ورَجُلٌ وَحْشَانُ كسَحْبَانَ : مُغْتَمٌّ ، ومِنْهُ الحَدِيثُ : «لا تَحْقِرَنَّ من المَعْرُوفِ شَيْئاً ، ولو أَنْ تُؤْنِسَ الوَحْشَانَ». قال ابنُ الأَثِيرِ : هُوَ فَعْلَانُ مِنَ الوَحْشَةِ ضِدِّ الأُنْسِ ، ج : وَحَاشَى ، مِثْلُ حَيْرانَ وحَيَارَى.
__________________
(١) في اللسان : ولقد عدوت.
(٢) ديوانه ص ٦٩ وانظر تخريجه فيه.
(٣) عن معجم البلدان وبالأصل «ولحق».
(٤) عن معجم البلدان وبالأصل «تسمع فتهلك».
(٥) ضبطت في النهاية بفتح الشين ، والمثبت عن اللسان قال ابن الأثير : وجاء في رواية الترمذي : لقد بتنا ليلتنا هذه وحشَى ؛ كأنه أراد جماعة وحشى.
(*) في القاموس : «يُلْحَقَ» بدل : يُدْرَك.
![تاج العروس [ ج ٩ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1501_taj-olarus-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
