له ، المعْنَى (فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً) للإِعذار والإِنْذَار (١). والنَّذيرُ اسمُ الإِنْذَار. قال الله تعالَى : (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (٢) أَي إِنذاري ، كالنِّذارَة ، بالكَسْر ، وهذه عن الإِمَام محمّد بن إِدْريس الشّافعيّ رضياللهعنه. قُلْتُ : وجعلَه ابنُ القَطَّاع عن مَصادر نَذِرْتُ بالشيءِ إِذا علمْته ، كما تقدَّم.
والنَّذير : المُنْذِرُ ، وهو المُحذِّر ، فَعيل بمعنَى مُفْعِل ، وقيل : المُنْذِر : المُعْلِمُ الذي يُعرِّف القَوْمَ بما يكون قد دَهمَهم من عدُوٍّ أَو غيرِه ، وهو المُخَوِّف أَيضاً. وأَصلُ الإِنذار الإِعلام. ج نُذُرٌ ، بضمَّتين ، ومنه قَوْلُه تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) (٣) قال الزَّجَّاج : النُّذُر جمْع نَذِير.
وقال أَبو حَنيفَة : النَّذِيرُ (٤) : صَوْتُ القَوْسِ ، لأَنَّهُ يُنْذِرُ الرَّمِيَّةَ ، وأَنْشد لأَوْس بن حجَر :
|
وصفْراءَ مِن نَبْعٍ كأَنَّ نَذِيرَها |
إِذا لمْ تُخَفِّضْهُ عن الوَحْشِ أَفْكَلُ |
وقَوْلُه عَزّ وجلّ : (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) (٥) قال ثعلبٌ : هو الرَّسُولُ ، وقال بعْضُهم : النَّذِيرُ هنا الشَّيْبُ. قال الأَزْهريّ : والأَوّل أَشْبَهُ وأَوْضَح. وقال أَهلُ التَّفْسير : يَعْنِي النَّبيّ صلىاللهعليهوسلم ، كما قال عزوجل : (إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (٦).
وفي الحَدِيث : «كان إِذا خَطَبَ احمَرَّتْ عينَاه وعَلَا صوتُه واشتَدَّ غَضَبُه ، كأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يقول صَبَّحكُم ومسَّاكُم».
وتَنَاذَرُوا : أَنْذَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً شَرّاً مَخُوفاً ، قال النّابغَةُ يَصف أَنَّ النُّعْمَانَ تَوعَّده فباتَ كأَنَّه لَدِيغٌ يَتَمَلْمَلُ على فِرَاشه :
|
فبِتُّ كأَنِّي ساوَرَتْنِي ضَئِيلَةٌ |
من الرُّقْش في أَنْيَابهَا السّمُّ ناقِعُ |
|
|
تَنَاذَرَها الرَّاقُون من سُوءِ سمِّها |
تُطَلِّقُه طَوْراً وطوْراً (٧) تُرَاجِعُ |
والنَّذِيرُ العُرْيَانُ : رَجُلٌ من خَثْعَمَ حَمَلَ عليه يَومَ ذي الخَلَصَة عَوْفُ بن عامرَ فقَطَع يَدَهُ ويَدَ امْرَأَته. وحَكى ابنُ بَرّيّ في أَماليه عن أَبي القَاسم الزّجّاجيّ في أَمَاليه ، عن ابن دُرَيْد قال : سأَلْتُ أَبا حاتمٍ عن قَولهم : أَنا النَّذيرُ العُرْيانُ فقال : سمِعتُ أَبا عُبَيْدَة يقول : هو الزُّبَير بنُ عَمْرو الخَثْعَميّ ، وكان ناكِحاً في بني زُبَيْد ، فأَرادتْ بنو زُبَيْد أَن يُغِيرُوا على خَثْعَمَ ، فخَافُوا أَن يُنْذِرَ قَومَه فأَلقَوْا عليه بَرَاذِعَ وأَهْدَاماً واحتَفَظُوا به ، فصادَف غِرَّةً فحاضَرَهُم (٨) وكانَ لا يُجَارَى شَدّاً فأَتَى قومَه فقال :
|
أَنَا المُنْذِرُ العُرْيَانُ يَنْبِذُ ثَوْبَه |
إِذَا الصَّدْقُ لا يَنْبِذْ لك الثَّوْبَ كاذِبُ |
أَو كُلُّ مُنْذِرٍ بحَقٍّ ، ونَقَلَ الأَزهريُّ عن أَبي طالبٍ قال : إِنّمَا قالوا : أَنَا النَّذِيرُ العُرْيانُ لأَنَّ الرَّجُلَ إِذا رَأَى الغَارَةَ قد فَجَأَتْهُمْ وأَرادَ إِنْذَارَ قَوْمه تَجَرَّد من ثِيَابه وأَشَارَ بها ليُعْلِمَ أَنْ قد فَجِئَتْهُمُ الغَارَةُ : ثمّ صارَ مَثلاً لكلّ شيءٍ يُخَاف مُفَاجَأَتُهُ ، ومنه قَوْلُ خُفَافٍ يَصف فَرساً :
|
ثَمِلٌ إِذا صفَرَ اللِّجَامُ كأَنَّه |
رَجُلٌ يُلَوِّح باليَدَيْن سَلِيبُ |
وكأَمِير وزُبَيْر ومُحْسِن ، ومُنَاذِرٌ بالضمّ ، ومُنَيْذِرٌ مُصَغَّراً : أَسماءٌ. وفَاتَه ناذِرٌ ، كصَاحِب ، فمِن الأَوّل : نَذيرٌ المُحَاربيّ وابنُه جناح بن نَذِير شَيخٌ للبَيْهَقيّ وآخَرون ، ومن الثاني إِياسُ بنُ نُذَيْرٍ الضَّبِّيّ ، عن أَبيه وأَبو قَتَادَة تَميمُ بنُ نُذَيْرٍ العَدَويّ ، عنه ابنُ سِيرِينَ ورِفَاعةُ بن إِيَاس بن نُذَيْر ، عن أَبيه عن جدّه ، وابن عمّه محمّد بن الحَجّاج بن جَعْفَر بن إِياس بن نُذَيْر ، عن عبد السّلام بن حَرْب وغيْرِه. وأَبو نُذَيْرٍ مُسْلِم بن نُذَيْرٍ عن عليٍّ وحُذَيْفَةَ ، وثابِتُ بن نُذَيْرٍ ، مَغْرَبِيّ مات سنة ٣١٠.
ويُقَال : باتَ بلَيْلَةِ ابنِ مُنْذِرٍ ، يَعنِي النُّعْمَانَ مَلِكَ الحِيرَة ، أَي بَلَيْلَةٍ شَديدَةٍ ، كما يُقَال : باتَ لَيلةً نابِغيَّة ، قال ابنُ أَحْمرَ :
|
وباتَ بنُو أُمِّي بلَيْلِ ابنِ مُنْذِرٍ |
وأَبناءُ أَعْمامي عَذُوباً صَوادِيَا (٩) |
__________________
(١) في التهذيب : أو الإنذار.
(٢) سورة الملك الآية ١٧.
(٣) سورة القمر الآية ٢٣.
(٤) عن اللسان وبالأصل «النذر».
(٥) سورة فاطر الآية ٣٧.
(٦) سورة الأحزاب الآية ٤٥.
(٧) في التهذيب والصحاح : تطلقه حيناً وحيناً ..
(٨) عن اللسان وبالأصل «فحاصرهم» بالصاد.
(٩) عَذوب أي وقوف لا ماء لهم ولا طعام.
![تاج العروس [ ج ٧ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1499_taj-olarus-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
