وفي الحديث. ذُكِرَ «ذو أَمَرٍ ، ـ محرَّكةً ـ وهو موضعٌ بنَجْدٍ مِن ديار غَطَفَانَ ، قال مُدْرِكُ بنُ لأْيٍ :
|
تَرَبَّعَتْ مُوَاسِلاً وذا أَمَرْ |
|
فمُلْتَقَى البَطْنَيْنِ مِن حيثُ انْفَجَرْ (١) |
وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خَرَجَ إِليه لجَمْع مُحَارِب ، فهربَ القومُ منه إِلى رُؤُوس الجِبال ، وزَعِيمُهُم دُعْثُورُ بنُ الحارثِ المُحَارِبيُّ ، فعَسْكَر المسلمون به.
وذو أَمَرّ ، مثلُه مشدَّداً : ماءٌ أَو قريةٌ مِن الشام.
والأَمِيرِيَّة ، ومَحَلَّةُ الأَمِير : قَرْيَتَانِ بمصر.
تَذْيِيلٌ
. قال الله عَزَّ وجَلَّ : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) (٢) ، قال ابن منظور : أَكثرُ القراءِ «أَمَرْنا» ، ورَوَى خارِجَةُ عن نافع : «آمَرْنَا» بالمَدّ ، وسائرُ أَصحابِ نافِعٍ رَوَوْه عنه مَقْصُوراً. ورُوِىَ عن أَبي عَمْرٍو :
«أَمَّرْنَا» ، بالتَّشْدِيد ، وسائرُ أَصحابِه رَوَوْه بتخفِيفِ المِيمِ وبالقَصْر ، وَرَوَى هُدْبَةُ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ابنِ كَثِيرٍ بالتَّشديد ، وسائرُ النَّاسِ رَوَوْه عنه مخفَّفاً ، وَرَوَى سَلَمَةُ عن الفَرّاءِ : مَنْ قرأَ : «أَمَرْنا» خَفِفَةً فَسَّرها بعضُهُم (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) بالطّاعَة (فَفَسَقُوا فِيها) ، أَن (٣) المُتْرَفَ إِذا أُمِرَ بالطَّاعَة خالَفَ إِلى الفِسْق ، قال الفَرّاءُ : وقرأَ الحَسَنُ : «آمَرنا» ، ورُوِىَ عنه : «أَمَرْنا» ، قال : ورُوِىَ عنه أَنه بمعنى أَكْثَرْنَا ، قال : ولا نرَى أَنها حُفِظَتْ عَنْه ؛ لأَنَّا لا نعرفُ معناها هنا ، ومعنى آمرنا ـ بالمَدِّ أَكثَرْنا ، قال : وقرأَ أَبو العالِيَةِ : أَمَّرنا ، وهو موافِقٌ لتفسِيرِ ابنِ عَبّاس ؛ وذلك أَنّه قال : سَلَّطْنَا رُؤَسَاءَهَا ففسَقُوا ، وقال الزَّجّاج نحواً ممّا قال الفَرّاءِ ، قال : ومَن قرأَ :
«أَمَرْنا» بالتَّخْفِيف ، فالمعنى أَمَرناهم بالطّاعة ففسَقوا ، فإِن قال قائلٌ : أَلستَ تقول : أَمَرْتُ زيداً فضَرَب عَمْرواً ، والمعنى أَنكَ أَمَرْتَه أَن يَضْربَ ، فهذا اللَّفْظُ لا يَدُلّ على غير الضَّرْب ، ومثلُه قولُه : فَعَصَيْتَنِي ؛ فقد عُلِمَ أَنّ المَعْصِيَةَ مخَالَفَةُ الأَمرِ ، وذلك الفِسقُ مخالفة أَمْرِ اللهِ ، وقرأَ الحَسَنُ : أَمِرْنَا مُترفيها على مِثال عَلِمْنَا ، قال ابنُ سِيدَه : وعَسى أَن تكون هذه لغةً ثالثةً قال الجَوْهَريُّ : معناه أَمَرْنَاهُم بالطّاعة فعَصَوْا ، قال : وقد تكونُ مِن الإِمارة ، قال : وقد قِيل : أَمِرْنَا مُتْرَفِيها : كَثَّرْنَا مُترَفِيها ، والدليلُ على هذا قولُ النبيِّ صلىاللهعليهوسلم : «خيرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُورَةٌ أَو مُهْرَةٌ مَأْمُورةٌ» ، أَي مُكَثِّرةٌ.
تَكْمِيلٌ :
وإِذَا أَمَرْتَ مِن أَمَرَ قلتَ : مُرْ ؛ وأَصلُه اؤْمُرْ (٤) فلما اجتمعتْ همزتانِ وكَثُرَ استعمالُ الكلمةِ حُذِفت الهمزةُ الأَصليّةُ ، فزال السّاكنُ فاستُغْني عن الهمزةِ الزائدِة ، وقد جاءَ على الأَصْل ، وفي التَّنْزِيل العزيز : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) (٥) ، وفيه : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (٦). وفي التَّهْذِيبِ : قال اللَّيْث : ولا يُقال : أُومُرْ ولا أُوخُذْ منه شيئاً ، ولا أُوكُلْ (٧). إِنّمَا يقال : مُرْ وكُلْ وخُذْ ، في الابتداءِ بالأَمْر ؛ استثقالاً للضَّمَّتَيْنِ ، فإِذا تقدَّم قبلَ الكلام واوٌ أَو فاءٌ قلتَ : وأمُرْ ، فأمُرْ ، كما قال عزوجل : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) ، فأَمّا كُلْ مِن أَكلَ يأْكُل فلا يكادُ (٨) يُدخِلُون فيه الهَمْزةَ مع الفاءِ والواوِ ، ويقولُون : وكُلَا ، وخُذَا ، وارْفَعَاه فكُلَاه ، ولا يقولون : فَأْكُلَاه ، قال : وهذه أَحْرفٌ جاءَتْ عن العربِ نَوَادِرَ ؛ وذلك أَنّ أَكثرَ كلامِهَا في كلِّ فِعْلٍ أَولُه همزةٌ ، مثلُ أَبَلَ يَأْبِلُ ، وأَسَرَ يَأْسِرُ ، أَنْ يَكْسِرُوا يَفْعِلُ منه ، وكذلك أَبَقَ يَأْبِقُ فإِذا كان الفِعْلُ الذي أَولُه همزةٌ ويفْعِلُ منه مكسوراً مَرْدُوداً إلى الأَمْر ، قيل : إِيسرْ فلانُ ، إِيبِقْ يا غُلامُ ، وكان (٩) أَصْلُه إِأْسِرْ بهمزتَيْن ، فكَرِهُوا جَمْعاً بين همزَتَيْن فحَوَّلُوا إِحداهما ياءً ، إِذْ كان ما قَبلَها مكسورا ، قال : وكان حَقُّ الأَمر مِن أَمَرَ يَأْمُرُ أَن يقال : أُؤمُرْ ، أُؤْخُذْ ، أُؤْكُلْ ، بهمزتينْ ، فتُرِكَتْ الهمزةُ الثانيةُ وحُوِّلتْ واواً للضَّمَّةِ ، فاجتمعَ في الحَرْف ضَمَّتَان بينهما واوٌ ، والضَّمَّةُ مِن جنس الواو ،
__________________
(١) مواصل : جبل ، والبطنان : موضعان.
(٢) سورة الإسراء الآية ١٦.
(٣) بهامش المطبوعة المصرية : «قوله : أن الخ كذا بخطه وباللسان أيضاً ، ولعل الظاهر : إذ.
(٤) عن التهذيب ، وبالأصل : «أؤمر».
(٥) سورة طه الآية ١٣٢.
(٦) سورة الأعراف الآية ١٣٢.
(٧) عبارة التهذيب : «ولا يقال : أؤمر فلاناً ، ولا أؤخذ منه شيئاً ولا أؤكل» وما في الأصل يتفق مع اللسان نقلاً عن التهذيب.
(٨) في التهذيب : يكادون.
(٩) التهذيب واللسان : وكأن.
![تاج العروس [ ج ٦ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1498_taj-olarus-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
