ومنها : الحُزْنُ والخَوْفُ المُكَدِّرُ للحَياة ، كقولِه تعالى : (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) (١).
ومنها : المَنامُ ، كقولِه تَعالى : (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) (٢) وقد قِيل : المنامُ : المَوْتُ الخَفيفُ ، والمَوْتُ : النَّومُ الثَّقِيلُ.
وقد يُسْتَعارُ الموت للأَحوالِ الشَّاقّةِ ، كالفَقْرِ ، والذُّلِّ ، والسُّؤالِ ، والهرم ، والمَعْصِيَةِ وغيرِ ذلك ، ومنه الحديث : «أَوَّلُ من ماتَ إِبْلِيسُ ، لأَنّه أَوّلُ من عَصَى» وفي حَدِيثِ مُوسى عليهالسلام ، «قِيلَ له : إِنَّ هامَانَ قد مَاتَ ، فلَقِيَه فسَأَلَ ربَّه ، فقالَ له : أَما تَعْلَمُ أَن من أَفْقَرْتُه فقَدْ أَمتُّه؟» : وقَولُ عُمرَ رضياللهعنه في الحديث : «اللَّبَنُ لا يمُوت» أَرادَ أَنَّ الصبِيَّ إِذا رَضِعَ (٣) امْرأَةً مَيّتةً حرُمَ عليه من وَلدِها وقَرابَتِها ما يَحْرُمُ عليهِ منهم لو كانت حيَّةً وقد رَضِعَها ، وقيل : معناه : إِذا فُصِل اللَّبَنُ من الثَّدْي وأُسْقِيَه الصَّبِيُّ فإِنه يَحْرُم به ما يَحْرُم بالرَّضاع ، ولا يَبْطُل عملُه بمفَارقَة الثَّدْي ، فإِنّ كلَّ ما انْفَصَل من الحَيِّ ميِّت إِلا اللَّبَنَ والشَّعَرَ والصُّوفَ ، لِضَرُورةِ الاستعمالِ. انتهى.
أَو المَيْتُ ، مُخَفَّفَةً : الذي ماتَ بالفِعْل.
والمَيِّتُ ، مشدّدة ، والمَائِتُ ، على فاعل : الذي لم يَمُتْ بَعْدُ ، ولكنه بصَدَدِ أَن يَمُوت.
قال الخليلُ : أَنشَدني أَبو عمرو :
|
أَيا سَائِلي تَفْسِيرَ مَيْتٍ ومَيِّتٍ |
|
فَدُونك قد فَسَّرْتُ إِن كُنْتَ تَعْقِلُ |
|
فمَنْ كان ذَا رُوحٍ فذلك مَيِّتٌ |
|
وما المَيْتُ إِلّا مَن إِلى القَبْرِ يُحْمَلُ |
وحكى الجوهريّ عن الفرّاءِ : يُقال لَمِنْ لم يَمُتْ : إِنّه مائِتٌ عن قليلٍ ، ومَيِّتٌ ، ولا يَقُولون لمن مات : هذا مَائِتٌ.
قيل : وهذا خَطَأٌ ، وإِنما مَيِّتٌ يَصْلُح لما قَدْ ماتَ ولما سَيَمُوت ، قال الله تعالى : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (٤).
قلتُ : ومن هُنا أَخَذَ صاحبُ القَامُوس ، ما جَعَله تَحْقِيقاً ، وقد تَحامَل عليه شيخُنا في شَرْحه.
وجَمع بين اللُّغَتَين عدِيُّ بنُ الرَّعْلاءِ فقال :
|
لَيْسَ من ماتَ فاسْتراحَ بِمَيْت |
|
إِنّما المَيْتُ ميِّتُ الأَحْيَاءِ |
|
إِنَّما المَيْتُ من يَعِيشُ شَقِيّاً |
|
كاسِفاً بالُه قليلَ الرَّجاءِ |
|
فأُنَاسٌ يُمَصَّصُون ثِماداً |
|
وأُناسٌ حُلُوقُهم في الماءِ (٥) |
فجعلَ المَيْتَ كالمَيِّتِ.
وفي التَّهْذِيبِ : قال أَهلُ التَّصْرِيف : مَيِّتٌ كأَنَّ تَصْحِيحَه مَيْوِتٌ على فَيْعِل ، ثم أَدْغَمُوا (٦) الواوَ في الياءِ ، قال : فَرُدَّ علَيْهِم ، وقِيل : إِنْ كان كما قُلْتُم فيَنْبَغِي أَن يكونَ مَيِّتٌ على فَعِّل (٧) ، فقالوا : قد عَلمنا أَنّ قياسَه هذا ، ولكِنّا تَركْنا فيه القياسَ مَخافَةَ الاشتباهِ ، فردَدْناه إِلى لَفْظِ فَعِّل (٨) ، لأَنّ ميِّت على لَفْظِ فَعِّل.
وقال آخرون : إِنّما كان في الأَصْل مَوْيِت مثل سيِّدٍ وسَوْيِدٍ (٩) ، فأَدْغَمْنا الياءَ في الواو ، ونَقَلْناه (١٠) ، فقُلْنا : مَيِّت ، [ثم خُفِّف ، فقيل : مَيْت](١١).
وقال بعضهم : قيل : مَيْتٌ ولم يَقُولوا : مَيِّتْ ، لأَنَّ أَبنيةَ ذَواتِ العِلَّة تُخالِفُ أَبنيةَ السَّالِم.
وقال الزجّاج : المَيْتُ (١٢) : المَيِّتُ ، بالتّشديد ، إِلا أَنَّه يُخَفَّف ، يقال : مَيْتٌ ومَيِّتٌ ، والمعنى واحد ، ويَستَوِي فيه المذكَّرُ والمُؤَنَّث ، قال تعالى : (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) (١٣) ولم يَقُل مَيْتَةً ، انتهى.
__________________
(١) سورة ابراهيم الآية ١٧.
(٢) سورة الزمر الآية ٤٢.
(٣) عن النهاية واللسان ، وبالأصل «ارضع».
(٤) سورة الزمر الآية ٣٠.
(٥) في التهذيب : وقال الشاعر في تصديق أن الميْت والميِّت واحد.
(٦) بهامش المطبوعة المصرية : «قوله ثم أدغموا ، وقوله الآتي فأدغمنا الخ ، فيه أن الذي يدغم هو الحرف الأول في الثاني ، وبالجملة فتحرر عبارته إلى آخرها».
(٧) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : يكون مَيَّت على فَيْعَل.
(٨) الأصل والتهذيب ، وفي اللسان : «إلى لفظ فيعِل ... فيعِل».
(٩) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : سَيِّد سَيْوِد.
(١٠) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : وثقلناه.
(١١) زيادة عن التهذيب ، ولم ترد في اللسان.
(١٢) في التهذيب : الميت أصله الميّت.
(١٣) سورة الفرقان الآية ٤٩.
![تاج العروس [ ج ٣ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1489_taj-olarus-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
