وليسَ كذلك ، فإِنّ الضّمَّ إِنّما هو في الوَاوِيّ كَيقُولُ ، من قَالَ قَوْلاً ، والكسْرُ إِنّما هو في اليَائِيّ كيَبِيعُ ، من بَاعَ ، وهي لُغَةٌ مَرْجُوحة ، أَنكرها جماعةٌ ، والفتح إِنّما هو في المَكْسُورِ الماضِي ، كَعَلِم يَعْلَم ، ونَظِيره من المُعْتَلّ خَافَ خَوْفاً.
وزاد ابن القطاع ومغيره : مِتَّ ، بالكسرِ في الماضي ، تَمُوتُ بالضَّم ، من شواذِّ هذا البابِ لِما قَرَّرْناه مَرّات : أَنّ فَعِلَ المَكْسور لا يكون ماضيه (١) إِلّا مَفْتُوحاً كعَلِم يَعْلَمُ ، وشذّ من الصّحيح نَعِمَ يَنْعُم ، وفَضِلَ يَفْضُل ، في أَلفاظٍ أُخَرَ ، ومن المُعْتَلّ العين مِتّ ـ بالكَسْر ـ تَمُوت ، ودِمْتَ تَدُوم.
وجماعةٌ اقتصروا هنا على هذه اللُّغَةِ ، وجَعَلُوها ثالِثَةً ، ولم يَتَعَرَّضوا لماتَ كَباعَ ، لأَنّه أَقَلُّ من هذا ، ومنْهِمُ الشِّهابُ الفَيُّومِيّ في المِصْبَاح فإِنَّه قال : مات الإِنْسَانُ يَمُوتُ مَوْتاً ، وماتَ يَماتُ ـ من باب خاف (٢) ومِتُّ بالكَسْرِ أَمُوت ، لُغةٌ ثالثة ، وهي من بابِ تَدَاخُلِ اللُّغَتيْنِ ، ومثله من المُعْتَلِّ دِمْتَ تَدُومُ ، وزاد ابنُ القَطَّاع : كِدْتَ تَكُودُ ، وجِدْتَ تَجُودُ ، وجاءَ فِيهما تَكَادُ وتَجَاد. انتهى.
قلت : وهو مأْخُوذٌ من كلامِ ابنِ سِيدَه ، وقال كُراع : مَاتَ يَمُوتُ ، والأَصْلُ فيه مَوِتَ بالكَسْرِ يَمُوت ، ونظيرُه دِمْت تَدُوم ، إِنما هو دَوِمَ.
فهو مَيْتٌ ، بالتَّخْفِيفِ ، ومَيِّتٌ ، بالتشديد ، هكذا في نسختنا ، والذي في الصّحاح تَقْدِيمُ المُشَدَّد على المُخَفَّفِ بضَبْطِ القَلَم.
وماتَ ضِدُّ حَيِىَ (٣) ، قال الأَزْهَريّ عن اللَّيْث : المَوْتُ خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ تَعالَى. وقال غيرُه : المَوْتُ والمَوَتَانُ ضِدّ الحياة.
ومن المَجاز : المَوْتُ : السُّكُون ، يقالُ : مات : سَكَنَ ، وكل ما سَكَنَ فقد مَاتَ ، وهو على المَثَل ، ومن ذلك قولُهم : ماتَت الرِّيحُ ، إِذا رَكَدتْ وسَكَنَتْ ، قال :
|
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ |
|
فأَسْكُنُ اليَوْم وأَسْتَريحُ |
ومن ذلك قولُهم ، ماتَت الخَمْرَة : سَكَن غَلَيَانُها ، عن أَبي حنيفةَ.
ومن المَجاز أَيضاً : مات الرَّجُلُ ، وهَمَدَ ، وهَوَّمَ إِذا نَام ، قاله أَبو عَمْرو. ومن المجاز أَيضاً : ماتَت النّارُ مَوْتاً : بَرَدَ رَمادُها ، فَلَمْ يَبْقَ من الجَمْر شَيْءٌ.
وماتَ الحَرُّ والبرْدُ : بَاخَ.
وماتَ الماءُ بهذَا المَكَان ، إِذا نَشَّفَتْهُ الأَرْضُ.
وماتَ الثَّوْبُ : بَلِيَ ، وكلُّ ذلكَ على المَثَل.
وعبارَةُ الأَساس : ومات الثَّوْبُ : أَخْلَقَ ، وماتَ الطَّريقُ : انْقَطَع سُلوكُه ، وبلدٌ يَمُوت (٤) فيه الرِّيحُ ، كَما يُقَالُ : تَهْلِكُ فيه أَشْواطُ الرِّياح. ومات فَوْقَ الرَّحْل : اسْتَثْقَلَ في نَوْمِه ، كلُّ ذلك على المَثَل.
وفي اللّسان ـ في دعاءِ الانْتباه ـ : «الحَمْدُ للهِ الّذِي أَحيانا بعدَ ما أَماتَنا وإِلَيْه النُّشُورُ» سَمَّى النَّومَ موْتاً ، لأَنّه يزولُ معه العَقْلُ والحَركةُ ، تمثيلاً وتَشْبيهاً ، لا تحْقيقاً.
وقيل : المَوْتُ في كلام العَرَب يُطْلَقُ على السُّكُون.
وقالَ الأَزْهريّ ـ ومِثلُه في المُفْردات لأَبي القَاسم الرَّاغب ـ ما نَصُّه (٥) : الموتُ يَقَعُ على أَنْواعٍ بحَسَبِ أَنواعِ الحَياة ، فمنها ما هو بإِزاءِ القُوَّةِ النّامِيَةِ الموْجُودَةِ في (٦) الحَيَوان والنّباتِ ، كقولِه تَعالى : (يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) (٧) ومنها : زَوالُ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ (٨) كقوله تعالى : (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا) (٩).
ومنها : زَوالُ القُوَّةِ العَاقِلَة ، وهي الجَهَالَةُ ، كقوله تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) (١٠) (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) (١١).
__________________
(١) كذا ، وهو خطأ والصواب مضارعه.
(٢) في المصباح : من باب خاف لغة.
(٣) في القاموس : ضد حيّ.
(٤) الأساس : تموت.
(٥) الأصل واللسان والمفردات ، ولم يرد في التهذيب.
(٦) اللسان ، وفي المفردات : في الإنسان والحيوانات والنبات.
(٧) سورة العنكبوت الآية ٥٠.
(٨) اللسان ، وفي المفردات : القوة الحاسّة.
(٩) سورة مريم الآية : ٢٣.
(١٠) سورة الأنعام الآية ١٢٢.
(١١) سورة الروم الآية ٥٢.
![تاج العروس [ ج ٣ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1489_taj-olarus-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
