وقلِّةِ مالِهم. قلتُ : وعلى هذا فَسَّرُوا حديث : «كَذَبَ النَّسّابُون» أَي : وجب الرُّجوعُ إِلى قولهم. وقد أَوْدَعْنَا بيانَه في «القَول النفيس في نَسبِ مولاي إِدريس».
وفي لسان العرب ، عن ابْنِ السِّكِّيتِ. تقول للرَّجُل إِذا أَمَرْتَهُ بشيْءٍ وأَغْرَيْتَهُ : كَذَبَ عليك كَذا وكَذا ، أَي : عليك به ، وهي كَلِمَةٌ نادِرة. قالَ : وأَنشد ابْنُ الأَعْرَابِيّ لخِداشِ بْنِ زُهَيْرٍ :
|
كَذَبْتُ عَلَيْكُم أَوْعِدُونِي وعَلِّلُوا |
بِيَ الأَرْضَ والأَقْوَام قِرْدَانَ مَوْظَبَا |
أَي : عليكم بي (١) وبهجائي إِذا كنتم في سفر ، واقْطَعُوا بذكْرِي الأَرْضَ ، وأَنْشِدُوا القوم هِجائي يا قِرْدَانَ مَوْظَب.
وقال ابْنُ الأَثِيرِ في النِّهَايَةِ ، والزَّمَخْشَرِيُّ في الفائق : في الحديثِ «الحِجَامَةُ على الرِّيقِ فيها شِفاءٌ وَبَرَكَة ، فمن احْتَجَم فَيَوْمُ الأَحَدِ والخَميس كَذَباك ، أَو يَوْمُ الاثْنَيْنِ والثَّلاثاءِ» معنى كَذَباك : أَي عليك بهما. قال الزَّمَخْشَرِيُّ : هذه كلمةٌ جَرتْ مَجْرَى المَثَلِ في كلامهم ، فلذلك لم تَتصرّفْ ، ولَزِمَتْ طريقةً واحدةً ، في كونها فعلاً ماضياً مُعَلَّقاً بالمخاطَب وَحْدَهُ (٢) ، وهي في معنى الأَمر. ثُمَّ قالَ (٣) : فمعنى قوله : كَذَباك ، أَي لِيَكْذِبَاك ، ولْيُنَشِّطاكَ وَيَبْعَثاك على الفعْل. قلت : وقد تقدَّمَتِ الإِشارَةُ إِليه.
ونقل شيخُنا عن كتاب حلى العلاءِ في الأَدب ، لعبد الدّائمِ بْنِ مَرزُوق القَيْرَوانِيّ : أَنّه يُرْوى «العَتِيقُ» بالرَّفْعِ والنَّصْب ، ومعناه : عليكَ العَتِيقَ وماءَ شَنٍّ. وأَصْله : كَذَبَ ذاكَ ، عليكَ العَتِيقَ ؛ ثم حُذِفَ عليك ، وناب كَذَبَ مَنابَهُ ، فصارتِ العربُ تُغْرِي به. وقال الأَعلمُ في شرح مُخْتَار الشُّعراءِ السِّتَّةِ ، عندَ كلامه على هذا البيت : قوله كَذَبَ العَتِيقُ : أَي عليكَ بالتَّمْرِ : والعربُ تقول : كَذَبَكَ التَّمْرُ واللَّبَنُ ، أَي : عليك بهما. وأَصلُ الكَذِبِ الإِمكانُ.
وقولُ الرَّجُلِ : كَذَبْتَ ، أَي : أَمكَنْتَ من نَفْسِك وضَعُفْتَ ، فلهذا اتُّسِعَ فيه فأُغْرِيَ به ؛ لِأَنّه متى أغْرِيَ بشَيْءٍ ، فقد جُعِل المُغْرَى به مُمْكناً مُستطاعاً إِنْ رامَهُ المُغْرَى. وقال الشّيخُ أَبو حَيّانَ في شرح التَّسْهيل ، بعدَ نقلِ هذا الكلام : وإِذَا نَصَبْتَ ، بَقِيَ كَذَبَ بلا فاعل على ظاهر اللَّفظ. والّذي تقتضيه القواعدُ أَنَّ هذا يكونُ من باب الإِعمال ، فكذَبَ ، يَطْلُبُ الاسْمَ على أَنَّه فاعلٌ ، وعليكَ ، يطلُبُه على أَنَّه مفعولٌ ، فإِذا رفعنا الاسمَ بكَذَبَ ، كان مفعولُ عليك محذُوفاً ، لفهم المعنى ، والتّقْدِير : كَذَبَ عليكُم الحَجُّ ، وإِنَّمَا التُزِمَ حَذفُ المفعول لِأَنّه مكانُ اختصار ، ومحرَّفٌ عن أَصل وَضْعِه ، فجَرى لذلك مَجْرَى الأَمثالِ في كَوْنها تُلْتَزَمُ فيها حالةٌ واحدةٌ ، لا يُتَصَرَّفُ فيها. وإِذا نَصَبْتَ الاسْمَ ، كان الفاعلُ مُضْمَراً في كَذَبَ ، يُفسّرُهُ ما بَعدَهُ ، على رأْي سِيبَوَيْه ، ومحذوفاً ، على رأْي الكِسائيّ ، انتهى.
ومن المَجَاز حَمَلَ عليه فما كَذَّبَ تَكْذِيباً ، أَي : ما انْثَنَى ما جَبُنَ ، وما رَجَع. وكذلك حَمَلَ فما هَلَّلَ ، وحَمَلَ ثم كَذَّبَ ، أَي : لم يَصْدُقِ الحَمْلَةَ ، قال زُهَيْرٌ :
|
لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجَالَ إِذا |
ما اللَّيْثُ كَذَّبَ عن أَقْرَانِه صَدَقا |
وفي الأَساس : معناه (٤) كَذَّبَ الظَّنَّ به ، أَو جعل حَمْلَتَهُ كاذِبَةً.
ومن المجاز أَيضاً : قولُهم : مَا كذَّبَ أَنْ فَعَلَ كَذَا تكذيباً ، أَي ما كَعَّ ، ولا لَبِثَ ، ولا أَبْطَأَ وفي حديثِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُ حَمَلَ يومَ اليَرْمُوكِ على الرُّوم ، وقال لِلْمُسْلِمِينَ : «إِنْ شَدَدْتُ (٥) عليهم ، فَلَا تُكَذِّبُوا» أَي ، لا تَجْبُنُوا وتُوَلُّوا. قال شَمِرٌ : يُقَالُ للرَّجُل إِذا حَمَلَ ، ثُمَّ وَلَّى ، ولَمْ يَمْضِ : قَدْ كَذَّبَ عن قِرْنه تكذيباً ؛ وأَنشد بيتَ زُهَيْرٍ. والتَّكْذِيبُ في القِتَال ضِدُّ الصِّدْقِ فيه ، يقال : صَدَقَ القِتالَ ، إِذا بَذَلَ فيه الجِدَّ ، وكَذَّبَ : إِذا جَبُنَ ؛ وحَمْلَةٌ كاذِبَةٌ : كما قالُوا في ضِدِّها : صادِقَة ، وهي المصدُوقَةُ والمكذُوبَة في الحَمْلة.
وفي الصَّحاح : تَكَذَّبَ فلانٌ : تَكَلَّفَ الكَذِبَ.
وتكذَّبَ فُلاناً ، وتَكَذَّبَ عليه : زَعَمَ أَنّه كاذِبٌ ، قال أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، رضياللهعنه :
__________________
(١) معناه : لست لكم وإذا لم أكن ولم أعنكم كنت منابذاً لكم ومنتفية نصرتي عنكم ، ففي ذلك إغراء منه لهم به.
(٢) في الفائق : «ليس إلا» بدل «وحده».
(٣) هذه عبارة النهاية واللسان نقلا عن الزمخشري. انظر الفائق ٢ / ٤٠٢.
(٤) وذلك معنى أنه حمل فلان ثم كذّب.
(٥) كذا بالأصل والنهاية واللسان ، وفي غريب الهروي : شددتم.
![تاج العروس [ ج ٢ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1488_taj-olarus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
