وكان من قواعد الروم أن كلّ طالب علم منهم لا بدّ وأن يكون معه عرض من قاضي بلده ، فيه جهة تعريفه ، وأنه أهل لما طلب ، إلاّ الشهيد فإنّه حين الخروج استخار الله تعالى أن يأخذ من قاضي صيدا ـ وهو المعروف الشامي ـ عرضا فلم يظهر خيرة ، وقد سأله بعض الفضلاء في قسطنطنية هل معك عرض من القاضي؟ فقال : لا ، فقال : إذن أمرك مشكل ، فأخرج له الرسالة المذكورة ، وقال : هذا عرضي ، فقال : لا تحتاج معه شيئا.
ثم إن قاضي العسكر بعث إليه بعد اثني عشر يوما من اجتماعه به الدفتر المشتمل على الوظائف والمدارس ، وبذل له ما اختاره ، وأكد كون ذلك في الشام أو حلب ، فاختار منه بعد الاستخارة المدرسة النوريّة ببعلبك التي وقفها السلطان نور الدين فأعرضها إلى السلطان ، وكتب بها برأت (١) ، وجعل له في كل شهر ما شرطه واقفها ، وأقام بها بعد ذلك قليلا ، واجتمع فيها بالسيد عبد الرحيم العباسي صاحب معاهد التنصيص ، وأخذ منه شطرا.
وخرج منها في ١١ رجب متوجّها نحو العراق ، وبعد زيارة أئمتها عليهمالسلام رجع إلى جبع في صفر سنة ٩٥٣ ، وقد تفأل بكتاب الله في المشهد الغروي في عاقبة أمره بعد هذه السفرة مع الأعداء والحساد ، فظهر في أول الصفحة ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ) (٢) ، الآية.
وأقام ببعلبك يدرس في المذاهب الخمسة ، واشتهر أمره ، وصار مرجع الأنام ومفتي كلّ فرقة بما يوافق مذهبها ، وصار أهل البلد كلّهم في انقياده ، ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد.
ثم انتقل بعد خمس سنين إلى بلده بنيّة المفارقة ، وأقام في بلده مشتغلا
__________________
(١) مصطلح يراد به ما يقابل ( المرسوم ) في هذا العصر عندنا و ( الفرمان ) سابقا. انظر لغتنامه دهخدا مادة برأت.
(٢) الشعراء ٢٦ : ٢١.
![خاتمة مستدرك الوسائل [ ج ٢ ] خاتمة مستدرك الوسائل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1462_khatema-mostadrak-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
