المنعمون في الجنة ، قال تعالى : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » الفجر : ٣٠.
وأما إرادة المجتمع الصالح في الدنيا فبعيد من السياق.
قوله تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ » إلى آخر الآية ، لما كان إيمان هؤلاء مقيدا بالعافية والسلامة مغيى بالإيذاء والابتلاء لم يعده إيمانا بقول مطلق ولم يقل : ومن الناس من يؤمن بالله بل قال : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ » فالآية بوجه نظيرة قوله : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ » الحج : ١١.
وقوله : « فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ » أي أوذي لأجل الإيمان بالله بناء على أن في للسببية كما قيل وفيه عناية كلامية لطيفة بجعله تعالى ـ أي جعل الإيمان بالله ـ ظرفا للإيذاء ولمن يقع عليه الإيذاء ليفيد أن الإيذاء منتسب إليه تعالى انتساب المظروف إلى ظرفه وينطبق على معنى السببية والغرضية ونظيره قوله : « يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ » الزمر : ٥٦ وقوله : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا » العنكبوت : ٦٩.
وقيل : معنى الإيذاء في الله هو الإيذاء في سبيل الله وكأنه مبني على تقدير مضاف محذوف.
وفيه أن العناية الكلامية مختلفة فالإيذاء في الله ما كان السبب فيه محض الإيمان بالله وهو قولهم : ربنا الله ، والإيذاء في سبيل الله ما كان سببه سلوك السبيل التي هي الدين قال تعالى : « فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي » آل عمران : ١٩٥ ومن الشاهد على تغاير الاعتبارين قوله في آخر السورة : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » حيث جعل الجهاد في الله طريقا إلى الاهتداء إلى سبله ولو كانا بمعنى واحد لم يصح ذلك.
وقوله : « جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ » أي نزل العذاب والإيذاء الذي يصيبه من الناس في وجوب التحرز منه منزلة عذاب الله الذي يجب أن يتحرز منه فرجع عن الإيمان إلى الشرك خوفا وجزعا من فتنتهم مع أن عذابهم يسير منقطع الآخر بنجاة أو موت ولا يقاس ذلك بعذاب الله العظيم المؤبد الذي يستتبع الهلاك الدائم.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1449_al-mizan-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

