مصدر في معنى الوصف قائم مقام مفعول مطلق محذوف والتقدير : ووصينا الإنسان بوالديه توصية حسنة أو ذات حسن أي أمرناه أن يحسن إليهما وهذا مثل قوله : « وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » أي قولا حسنا أو ذا حسن ، ويمكن أن يكون وضع المصدر موضع الوصف للمبالغة نحو زيد عدل ، وربما وجه بتوجيهات أخر.
وقوله : « وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي » إلخ ، تتميم للتوصية بخطاب شفاهي للإنسان بنهيه عن إطاعة والديه إن دعواه إلى الشرك والوجه في ذلك أن التوصية في معنى الأمر فكأنه قيل : وقلنا للإنسان أحسن إلى والديك وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما.
ولم يقل : وأن لا يطيعهما إن جاهداه على أن يشرك إلخ ، لما في الخطاب من الصراحة وارتفاع الإبهام ولذلك قال أيضا : « لِتُشْرِكَ بِي » بضمير المتكلم وحده فافهمه ويئول معنى الجملة إلى أنا نهيناه عن الشرك طاعة لهما ورفعنا عنه كل إبهام.
وفي قوله : « ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » إشارة إلى علة النهي عن الطاعة فإن دعوتهما إلى الشرك بعبادة إله من دون الله دعوة إلى الجهل وعبادة ما ليس له به علم افتراء على الله وقد نهى الله عن اتباع غير العلم قال : « وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » إسراء : ٣٨ وبهذه المناسبة ذيلها بقوله : « إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » أي سأعلمكم ما معنى أعمالكم ومنها عبادتكم الأصنام وشرككم بالله سبحانه.
ومعنى الآية : وعهدنا إلى الإنسان في والديه عهدا حسنا ـ وأمرناه أن أحسن إلى والديك ـ وإن بذلا جهدهما أن تشرك بي فلا تطعهما لأنه اتباع ما ليس لك به علم.
وفي الآية ـ كما تقدمت الإشارة إليه ـ توبيخ تعريضي لبعض من كان قد آمن ثم رجع عن إيمانه بمجاهدة من والديه.
قوله تعالى : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ » معنى الآية ظاهر ، وفي وقوعها بعد الآية السابقة وفي سياقها ، دلالة على وعد جميل منه تعالى وتطييب نفس لمن ابتلي من المؤمنين بوالدين مشركين يجاهدانه على الشرك فعصاهما وفارقهما ، يقول سبحانه : إن جاهداه على الشرك فعصاهما وهجرهما ففاتاه لم يكن بذلك بأس فإنا سنرزقه خيرا منهما وندخله بإيمانه وعمله الصالح في الصالحين وهم العباد
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٦ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1449_al-mizan-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

