بَلْ لا يَشْعُرُونَ » « نُمِدُّهُمْ » ـ بضم النون ـ من الإمداد والمد والإمداد بمعنى واحد وهو تتميم نقص الشيء وحفظه من أن ينقطع أو ينفد ، قال الراغب : وأكثر ما يستعمل الإمداد في المحبوب والمد في المكروه ، فقوله « نُمِدُّهُمْ » من الإمداد المستعمل في المكروه والمسارعة لهم في الخيرات إفاضة الخيرات بسرعة لكرامتهم عليه فيكون الخيرات على ظنهم هي المال والبنون سورع لهم فيها.
والمعنى : أيظن هؤلاء أن ما نعطيهم في مدة المهلة من مال وبنين خيرات نسارع لهم فيها لرضانا عنهم أو حبنا لأعمالهم أو كرامتهم علينا؟.
لا ، بل لا يشعرون أي إن الأمر على خلاف ما يظنون وهم في جهل بحقيقة الأمر وهو أن ذلك إملاء منا واستدراج وإنما نمدهم في طغيانهم يعمهون كما قال تعالى « سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » الأعراف : ١٨٣.
قوله تعالى « إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » إلى آخر الآيات الخمس ، يبين تعالى في هذه الآيات الخمس بمعونة ما تقدم أن الذي يظن هؤلاء الكفار أن المال والبنين خيرات نسارع لهم فيها خطأ منهم فليست هي من الخيرات في شيء بل استدراج وإملاء وإنما الخيرات التي يسارع فيها هي ما عند المؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر الصالحين في أعمالهم.
فأفصح تعالى عن وصفهم فقال : « إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » ، قال الراغب : الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه ، قال تعالى : « وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ » فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدي بفي فمعنى العناية فيه أظهر ، قال : « إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ » « مُشْفِقُونَ مِنْها » انتهى.
والآية تصفهم بأنهم اتخذوا الله سبحانه ربا يملكهم ويدبر أمرهم ، ولازم ذلك أن يكون النجاة والهلاك دائرين مدار رضاه وسخطه يخشونه في أمر يحبونه وهو نجاتهم وسعادتهم فهم مشفقون من خشيته وهذا هو الذي يبعثهم إلى الإيمان بآياته وعبادته ، وقد ظهر بما مر من المعنى أن الجمع في الآية بين الخشية والإشفاق ليس تكرارا مستدركا.
ثم قال : « وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ » وهي كل ما يدل عليه تعالى بوجه
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٥ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1448_al-mizan-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

