فهو تعالى الذي يوجد العالم وكل جزء من أجزائه ويحده ويميزه من غيره فهو في نفسه موجود غير محدود وإلا لاحتاج إلى آخر يحدده فهو تعالى واحد لا يقبل الكثرة لأن ما لا يحد بحد لا يقبل الكثرة.
وهو بوحدته يدبر كل أمر كما أنه يوجده لأنه هو المالك لوجودها والكل أمر يرجع إلى وجودها ، ولا يشاركه غيره في شيء لأن شيئا من الموجودات غيره لا يملك لنفسه ولا لغيره فهو تعالى رب كل شيء لا رب غيره ، كما أنه موجد كل شيء لا موجد غيره.
وهذا برهان تام سهل التناول حتى للأفهام البسيطة يناله الإنسان الذي يذعن بفطرته أن للعالم المشهود حقيقة وواقعية من غير أن يكون وهما مجردا كما يبديه السفسطة والشك ، ويثبت به توحد الألوهية والربوبية ولذلك تمسك به في هذا المقام الذي هو مقام خصام الوثنية.
ومن هنا يظهر فساد زعم من زعم أن قوله : ( أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) حجة مسوقة لإثبات خالق للعالم ، وكذا قول من قال : إنه دليل اتصال التدبير لتوحيد الربوبية بل هو برهان عليه تعالى من جهة قيام وجود كل شيء وآثار وجوده به من كل جهة فينتج توحده في الربوبية ويزول به ما أيدوه من الشك بقولهم : ( وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ). (١)
ثم قولهم : ( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إشارة إلى برهان النبوة التي أنكروها بقولهم : ( إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) يريدون به دين الرسل والشريعة السماوية بالوحي.
وبيانه أن من سنته تعالى الجارية هداية كل شيء إلى كماله وسعادته النوعية ، والإنسان أحد هذه الأنواع المشمولة للهداية الإلهية فمن الواجب في العناية الإلهية
__________________
(١) فهو قريب من مضمون قوله تعالى : ( قل أفاتخدتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضراً ) الرعد : وقد تقدم.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1444_al-mizan-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

