فهذا معنى لكنه غير مناف للمعنى السابق فإن أحد المعنيين في طول الآخر وليسا بمتعارضين فإن تعين طريق الإنسان وغايته من سعادة وشقاوة بحسب القدر لا ينافي إمكان سعادته وشقاوته في الدنيا ، وإناطة تحقق كل منهما باختياره ذلك وانتخابه وللقوم في تفسير الآية أقوال أخر :
١ ـ : أن المراد بتكذيبهم من قبل ، تكذيبهم من حين مجيء الرسل إلى حين الإصرار والعناد وبقوله : « فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا » إلخ ، كفرهم حين الإصرار ، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا حين العناد بما كذبوا به من أول الدعوة إلى ذلك الحين ، وهذا وجه سخيف لا شاهد له من جهة اللفظ البتة.
٢ ـ : أن المراد بتكذيبهم قبلا ، تكذيبهم بأصول الشرائع الإلهية التي لا يختلف في شيء منها كالتوحيد والمعاد ، ومسألة حسن العدل وقبح الظلم مثلا مما يستقل به العقل ، وبتكذيبهم بعدا تكذيبهم بتفاصيل الشرائع ، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا بهذه الشرائع المفصلة وهي التي كذبوا بها قبلا إجمالا قبل الدعوة التفصيلية ، وفيه أنه خلاف ظاهر الآية فلا يقال للكفر بالله وبسائر ما ثبوته فطري عند العقل أنه تكذيب. على أن ما تقدم من القرائن على خلافه يكذبه.
٣ ـ : أن الآية على حد قوله تعالى : « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » فالمعنى : ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذبوا به قبل إهلاكهم ، هذا. وهو أسخف ما قيل في تفسير الآية.
٤ ـ : أن ضمير « كَذَّبُوا » راجع إلى أسلافهم كما أن ضمير « لِيُؤْمِنُوا » للأخلاف والمعنى : فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أسلافهم ، وفيه : أنه قول من غير دليل وظاهر سياق قوله : « فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا » أن مرجع الثلاثة جميعا واحد ، ومن الممكن أن يقرر هذا الوجه بما يرجع إلى الوجه الآتي.
٥ ـ : أن الكلام مبني على أخذ عامة أهل القرى من أسلافهم وأخلافهم واحدا بعث إليه الرسل ، وهم مأخوذون كالشخص الواحد فيكون تكذيب الأسلاف لأنبيائهم تكذيبا من الأخلاف لهم ، وعدم إيمان الأخلاف أيضا عدم إيمان من الأسلاف وهذا كما يذكر القرآن أهل الكتاب وخاصة اليهود ثم يؤاخذ أخلافهم بما قدمته أيدي
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٨ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1437_al-mizan-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

