فهذا أسَدُّ وأصْوبُ من أن يُذْهَب إلى أن قولهم « حروف المُعْجَم » : بمنزلة قولهم : « صلاةُ الأُولى ، ومَسْجِد الجامع ، لأن معنى ذلك : صلاةُ السَّاعة الأولى ، أو الفَريضة الأولى ، ومسجد اليومِ الجامع ؛ فالأُولى غير الصلاة فى المعنى ، والجامع غير المسجد فى المعنى ، وإنما هما صفتان حُذِفَ مَوْصُوفهُما ، وأُقِيما مُقامَهُما ، وليس كذلك حروف المُعْجَم ، لأنه ليس معناه حروف الكلام المُعْجَم ، ولا حُروف اللَّفظ المُعْجَم ، إنما المعنى أن الحروف هى المُعْجَمة ، فصار قولنا حروف المُعْجَم ، من باب إضافة المفعول إلى المصدر ، كقولهم : هذه مَطِيَّة رُكوب : أى من شأنها أنْ تُرْكَب ، وهذا سَهْم نِضال : أى من شأنه أن يُناضَل به. وكذلك حروف المُعْجَم : أى من شأنها أن تُعْجَم.
* فإن قيل : إن جميع هذه الحروف ليس مُعْجما ، إنما المُعجم بعضُها ؛ ألا ترَى أن الألف والحاء والدال ونحوَها ليس مُعْجما ، فكيف استجازوا تسمية جميعِ هذه الحروف حُروف المُعْجَم؟ قيل له : إنما سُمّيت بذلك ، لأن الشكل الواحد إذا اختلفت أصواته ، فأعْجَمْتَ بعضها ، وتركتَ بعضها ، فقد عُلِم أن هذا المتروك بغير إعجام ، وهو غير ذلك الذى من عادته أن يُعْجَم ؛ فقد ارتفع أيضاً بما فعلوه الإشكال والاستبهام عنهما جميعا. ولا فَرْق بين أن يزول الاستبهام عن الحرف بإعجامٍ عليه ، أو ما يقوم مَقام الإعجام فى الإيضاح والبيان ، ألا تَرى أنك إذا أعجمت الجيم بواحدة من أسفل ، والخاء بواحدة من فوق ، وتركتَ الحاء غُفْلا ، فقد عُلِم بإغْفالها أنها ليست بواحدة من الحرفين الآخرين ، أعنى الجيم والخاء ، وكذلك الدال والذال ، والصاد والضاد ، وسائر الحروف. فلمَّا استمرّ البيان فى جميعها ، جاز تسميتها « حروف المُعْجَم ».
* والأعْجَم : المُسْتَعْجِم الأخرس.
* والعَجماء : كلّ بهيمة. وفى الحديث : « جُرْحُ العَجْماء جُبار » (١) : أى لا ديَة فيه ولا قَوَد. وصلاة النهار عَجْماء : لإخفاء القراءة فيها.
* واسْتَعْجم الرجلُ : سَكَت. واسْتَعْجمت عليه قراءَته : انقطعت ، فلم يقدر على القراءة ، من نُعاس. ومنه حديث عبد الله : إذا كان أحدكم يُصَلِّى ، فاسْتَعْجمَتْ عليه قراءتُه ، فَلْيَنَمْ (٢). وكذلك اسْتَعْجمت الدارُ عن جواب سائِلِها : قال امرؤ القَيْس :
|
صَمَّ صَدَاها وَعَفا رَسْمُها |
|
واسْتَعْجَمتْ عَن منْطِقِ السَّائلِ (٣) |
__________________
(١) أخرجه بنحوه البخارى ( ح ٦٩١٢ ) وفى غير موضع ، ومسلم ( ح ١٧١٠ ).
(٢) ذكره أبو عبيد فى غريب الحديث ( ١ / ١٧٠ ).
(٣) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص ٢٥٥ ؛ ولسان العرب ( صمم ) ، ( عجم ) ، ( صدى ) ؛ وتهذيب اللغة ـ
![المحكم والمحيط الأعظم [ ج ١ ] المحكم والمحيط الأعظم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1424_almohkam-valmohit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
