صادق أبا بكر؛ وأبو بكر له منزلة. هاجر مع النبيّ .. بات معه في الغار.
امتدّ به الليل .. وأضحت النجوم أشدّ لمعاناً .. اشتعلت في أعماقه رغبة مجنونة في الهرب .. تناول جفنة صغيرة فملأها خمرة معتّقة وأفرغها في جوفه. شعر بأن أعماقه تشتعل ، وزاد وجهه حمرة كجمرة متوقّدة في الظلام ... صبّ لنفسه جفنة اخرى واخرى ... اشتعلت عيناه .. تراقصت فيهما اضواء القنديل ... عوت ذئاب ، وولد وحش في أعماقه. كان الوحش يكبر ويكبر .. يزداد شراسة. فجأةً هبّ واقفاً حتى كاد راسه أن يرتطم بالسقف .. سوف يحطّم بيوت يثرب ... اتّجه الى منزل « ابن عوف » لشدّ ما يكره هذا الرجل .. يفاخر بنسبه يتباهى بذهبه وفضته .. طرق الباب بعنف .. فخرج الرجل وهو يحاول فتح عينيه بصعوبة ، التمعت عينا ابي حفصة وهو يهوي على رأس ابن عوف بقبضته ، ارتدّ الرجل مذعوراً وما لبث أن تهاوى في عتبة الباب.
راح عمر يجتاز البيوت حتى اذا جعلها وراءه وبدت الصحراء أمامه بعيدة والسماء تكتظّ بالنجوم .. تذكّر ما جرى قرب آبار بدر .. تذكّر صناديد قريش .. وهم يسحبون فوق الرمال ثم يرمى بهم في القليب ، راى أبا جهل جثّة هامدة .. ورأى اميّة بن خلف وعتبة وشيبة والوليد. رآهم صرعى وكانوا يملأون مكّة هيبة .. لقد أخذهم الموت
