قال : فوالله ، إنْ مكث الرجل الرامي إلا يسيراً ، حتّى صبّ الله عليه الظمأ ، فجعل لا يروى ويسقى الماء مبرداً ، وتارة يبرّد له اللبن والماء جميعاً ، ويسقى فلا يروى ، بل يقول : ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ.
قال : فوالله ، ما لبث إلا يسيراً ، حتّى أنفذ بطنه انفداد بطن البعير ، ثمّ إنّ شمر ابن ذي الجوشن أقبل في نحو من عشرة من رجّال الكوفة ، قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله ، فمشى نحوهم ، فحالوا بينه وبين رحله.
فقال لهم الحسين : ويلكم!! إنْ لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون يوم المعاد ، فكونوا في دنياكم أحراراً ، وذوي أحساب ، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهّالكم. فقال ابن ذي الجوشن : ذلك لك يا ابن فاطمة ، ثمّ أحاطوا به ، فجعل شمر يحرّضهم على قتله.
فقال له أبو الجنوب : وما يمنعك أنت من قتله؟
فقال له شمر : إلي تقول ذا؟
فقال أبو الجنوب : إلي تقول ذا؟ فاستبّا ساعة.
فقال له أبو الجنوب ، وكان شجاعاً : والله لقد هممت أنْ أخضخض هذا السنان في عينك ، فانصرف عنه شمر.
ثمّ جاء شمر ، ومعه جماعة من الشجعان ، حتّى أحاطوا بالحسين ، وهو عند فسطاطه ، ولم يبقَ معه أحد يحول بينهم وبينه ، فجاء غلام يشتدّ من الخيام ، كأنّه البدر ، وفي أذنيه درّتان ، فخرجت زينب بنت عليّ لتردّه ، فامتنع عليها ، وجاء يحاجف عن عمّه ، فضربه رجل منهم بالسيف ، فاتّقاه بيده ، فأطنّها سوى جلده.
فقال : يا أبتاه.
فقال له الحسين : يا بني ، احتسب أجرك عند الله ، فإنّك تلحق بآبائك
