الحسين صدره على صدره ، ثمّ جاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليّ الأكبر ، ومع من قتل من أهل بيته ، فسألت عن الغلام ، فقيل لي : هو القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
وقال هانئ بن ثبيت الحضرمي : إنّي لواقف يوم مقتل الحسين ، عاشر عاشرة ، ليس منّا رجل إلا على فرس ، إذ خرج غلام من آل الحسين ، وهو ممسك بعود من تلك الأبنية ، وعليه إزار وقميص ، وهو مذعور يلتفت يميناً وشمالاً ، فكأنّي أنظر إلى درّتين في أذنيه تذبذبان كلّما التفت ، إذ أقبل رجل يركض فرسه ، حتّى إذا دنا من الغلام ، مال عن فرسه ، ثمّ أخذ الغلام ، فقطّعه بالسيف.
قال هشام السكوني : هانئ بن ثابت ، هو الذي قتل الغلام ، خاف أنْ يعاب ذلك عليه ، فكنّى عن نفسه.
قال : ثمّ إنّ الحسين أعيا ، فقعد على باب فسطاطه ، وأتي بصبيّ صغير من أولاده ، اسمه عبد الله فأجلسه في حجره ، ثمّ جعل يقبّله ، ويشمّه ، ويودّعه ، ويوصي أهله ، فرماه رجل من بني أسد يقال له : ابن موقد النار ، بسهم ، فذبح ذلك الغلام.
فتلقّى حسين دمه في يده ، وألقاه نحو السماء ، وقال : ربّ إنْ تكُ قد حبست عنّا النصر من السماء ، فاجعله لما هو خير ، وانتقم لنا من الظالمين ...
وقد اشتدّ عطش الحسين ، فحاول أنْ يصل إلى أنْ يشرب من ماء الفرات ، فما قدر ، بل مانعوه عنه.
فخلص إلى شربه منه ، فرماه رجل يقال له : حصين بن تميم ، بسهم في حنكه ، فأثبته ، فانتزعه الحسين من حنكه ففار الدم ، فتلقّاه بيديه ، ثمّ رفعهما إلى السماء ، وهما مملوءتان دماً ، ثمّ رمى به إلى السماء وقال : اللهمّ أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تذر على الأرض منهم أحداً ، ودعا عليهم دعاء بليغاً.
