المجيدة ، وكأنها المؤثر الحقيقي ، وإن كان الأثر من الله ، والتأثير بتوفيقه ، وكان ذلك من المجاز المرصود عقليا لكون الإثبات سببا في زيادة هذا الإيمان ، ولعل في ذلك إشارة واعية الى النتائج الإيجابية في تلاوة الآيات أو الاستماع إليها ، أو الإنصات لدقائقها ، فيكون الحث عليها بهذا الأسلوب الجديد ، وكأنه أمر بصيغة الإخبار ، وتحضيض عن طريق الإنباء.
٢ ـ وفي قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنّة يأيتها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (١١٢) ) (١) ، عدة استعمالات مجازية متطورة ، يتعلق بعضها بالمجاز العقلي ، والآخر بالمجاز اللغوي في الاستعارة ، ولا حديث لنا معه ، والشأن في المجاز العقلي حيث وصف القرية بكونها أمنة مطمئنة ، وقد علم بالضرورة أن الأمن والأطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها ، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها ، فعبر مجازا عن طريق إطلاق اسم المحل وهو القرية ، على الحال فيها وهم الأهل والساكنون ، وعبّر عن الرزق بأنه يأتي ، الرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد ، وإنما الله تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق إليها ، ويأتي بها ـ وهو الرزاق ذو القوة المتين ـ من كل مكان الى تلك القرية أو هذه تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد فكأن الرزق يقصدها سائرا سادرا متوافرا.
وفلسفة هذا المثل القرآني الفريد ، أن لا يكفر ذوو النعم بنعمهم ، فيصيبهم ما أصاب هذه القرية من التلبس بالجوع والخوف والإذلال.
فالمجاز ـ إذن ـ وهو في سياق التشبيه التمثيلي المنتزع من صور متعددة من باب القياس التمثيلي ، وذلك من خصائص المجاز الفنية.
٣ ـ وفي قوله تعالى : ( ألم تر الى الّذين بدّلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (٢٨) ) (٢) ، أضافت الآية إجلال البوار الى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، وذلك بسبب من سوء أعمالهم وكفرهم وطغيانهم وكان ذلك
__________________
(١) النحل : ١١٢.
(٢) إبراهيم : ٢٨.
