نتيجة لكفرهم ، ومظهر كفرهم إطاعتهم أكابرهم بالكفر ، في حين أن الذي أحل هؤلاء وهؤلاء دار البوار ـ على سبيل العقوبة والمجازاة ـ هو الله تعالى جلّ شأنه. وهنا تلمس قيمة المجاز وتدرك خصائصه الفنية ، وذلك حينما تعلم موقع تبديل النعم بالكفر في الإحلال بدار البوار ، والكفر ـ بحد ذاته ـ ليس بقادر ولا متصرف ولا متمكن ، ومع هذا فهو السبيل الى دار البوار بالقوة والفعل والعيان ، وإن كان المحدث للأمر غيره دون ريب ، فالمراد أجتنابه ، والابتعاد عن دائرته ، وإحلال الشكر محله ، تطبيقا لقوله تعالى : ( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) (١).
٤ ـ وفي قوله تعالى : ( مثل الجنّة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أُكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتّقوا وعقبى الكافرين النار (٣٥) ) (٢) ، تجد جرسا موسيقيا ، وتخامر لذة علوية ، تأنس لها النفس ، وتهش لها الطبيعة الإنسانية ، وذلك عندما تتحدث الآية عن الملذات الحسية فضلا عن الملذات الروحية وأنت تتخيل الأنهار جارية ، وحولها الضلال الفسيحة ، والأكل الدائم ، وفي الجنة التي وعد المتقون. والأنهار وعاء للماء ومستقر له ، راكد أو سارب بأمر الله تعالى ، وهي ثابتة غير متنقلة ، فهي مكان الجري ، وما يجري فيها هو الماء ، فلما أسند الجري الى الأنهار علمنا عقلنا بالحكم عليه : أنه مجاز لأن الماء هو الجري إلا ان مكانه الأنهار ، فعبّر عن جريان ذلك الماء بجري الأنهار نفسها بوصفها مكانا له ، أو باعتبار الكثرة والغزارة في هذا الجري حتى ليخيل أن هذه الأنهار تجري بنفسها ، وإنما اعتبر المكان باعتبار الإسناد إليه ، والعامل الحقيقي غيره ، وما يدريك فلعل في هذا الاستعمال ـ وهو كذلك ـ من القوة في الاندفاع ، والسيطرة على النفس ، وعظيم التصوير الفني ، أضعاف ما في الاستعمال الحقيقي من الدلالة على المعنى المراد أداؤه بالضبط.
٥ ـ وفي قوله تعالى : ( والضحى (١) والليل إذا سجى (٢) ) (٣) ، تبرز
__________________
(١) إبراهيم : ٧.
(٢) الرعد : ٣٥.
(٣) الضحى : ١ ـ ٢.
