واحتجّ من أنكر استلزامه له بما احتجّ به المنكر لتضمّنه للنهي عن الضدّ العامّ من ذهول الآمر عن الأضداد الخاصّة والكفّ عنها ، مع أنّ دلالته على النهي تستلزم تعقّلها وتعقّل الكفّ عنها (١).
وقد عرفت هناك (٢) جوابا يصلح أن يكون جوابا هنا. على أنّ هذا الاحتجاج هنا على ما اخترناه ـ من أنّ دلالته عليه بالالتزام المعنوي ـ ساقط من أصله ؛ فإنّه يتوجّه على القائل بالالتزام اللفظي وهو عندنا باطل ؛ لأنّ شرطه اللزوم العقلي أو العرفي ، ونحن نقطع بأنّ تصوّر معنى الأمر لا يحصل منه الانتقال إلى تصوّر الضدّ الخاصّ والكفّ عنه.
واحتجّ هذا القائل بأنّ أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه ، فالذمّ بالترك من معقول الإيجاب (٣) فلا ينفكّ عنه تعقّلا ، ولا ذمّ إلاّ على فعل ؛ لأنّه المقدور ، وما هو هاهنا إلاّ الكفّ عن الفعل أو فعل ضدّه ، وكلاهما ضدّ للفعل ، والذمّ بأيّهما كان فهو يستلزم النهي عنه ؛ إذ لا ذمّ بما لم ينه عنه ؛ إذ هو معناه (٤).
والجواب : أنّ ما لا ينفكّ عن الإيجاب ـ على فرض تسليمه ـ هو الذمّ على الترك ، أعني عدم الفعل ـ أي استمراره وعدم قطعه ـ فلا يرد أنّه لا ذمّ عليه ؛ لكونه أزليّا غير مقدور عليه. أو الكفّ (٥) ، لا الذمّ على فعل الضدّ ، فيلزم منه استلزامه لفظا للنهي عن الضدّ العامّ لا الخاصّ ، بل استلزامه له معنوي ، كما ذكرناه (٦).
فإن قلت : لو كان الذمّ على نفي الفعل ، أو الكفّ (٧) ، لكان النفي أو الكفّ منهيّا عنه ، والنهي هو طلب النفي أو الكفّ ؛ فالنهي عن النفي طلب النفي عن النفي ، والنهي عن الكفّ طلب الكفّ عن الكفّ ؛ فيلزم وجوب تصوّر النفي عن النفي ، أو الكفّ عن الكفّ لكلّ آمر بشيء ،
__________________
(١) قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه ١ : ١٩٧ ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٩٢ ، وحكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ١٣٦ ، القاعدة ٤٠.
(٢) في ص ٦٥٤.
(٣) والمراد أنّ « الذمّ بترك الفعل » داخل في مفهوم الإيجاب.
(٤) حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : ٦٧.
(٥) عطف على « الترك ».
(٦) تقدّم في ص ٦٥٤.
(٧) عطف على « نفي ».
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
