حينئذ وجوب كلّ منهما ، إلاّ أنّ المكلّف يتخيّر في إيقاع أيّهما شاء ؛ لاستحالة إيقاعهما في وقت لا يسعهما ، ويلحقه الإثم إن كان التأخير لتقصيره ، وليس وجوب كلّ منهما فيه تكليفا بالمحال ؛ لأنّه لم يكلّف ابتداء بإيقاعهما فيه ، بل ذلك إنّما لزم من تأخيرهما إليه ؛ لأنّه لمّا كلّف بأن يقدّم واحدا منهما عليه ، ولا يؤخّرهما إليه ، وتركهما معا فيما تقدّم ، فلا بدّ أن يأتي بهما فيه لا للإيجاب الابتدائي ، بل لسوء اختياره ، ولذا لو عوقب حينئذ على ترك واحد منهما ، لما عدّ قبيحا.
والحاصل أنّ نسبة آخر الوقت إلى الواجبين كنسبة أوّله ووسطه إليهما ، فكما أنّهما متّصفان بالوجوب فيهما من غير لزوم محال ؛ لكون الوجوب راجعا إلى التخييري بحسب أجزاء الوقت ، فكذا في آخره ، إلاّ أنّ التخيير في أوّل الوقت إنّما هو بالنظر إلى ما بعده ـ أي إن شاء المكلّف أتى به فيه ، وإن شاء أتى به فيما بعده ، أي في الوسط ، أو آخره ـ وفي وسطه بالنسبة إلى ما قبله وما بعده ، وفي آخره بالنظر إلى ما قبله لا إلى ما بعده ، بل يجب أن لا يؤخّر عنه ، فالتخيير بالنظر إلى ما قبله ، والتحتّم بالنظر إلى ما بعده ، فلا منافاة ، ولمّا كان إيجابهما في هذا الوقت بالإيجاب السابق الذي نسبته إلى أوّل الوقت ووسطه وآخره نسبة واحدة بالنحو المذكور ، فلا يرد أنّ وجوب كلّ منهما فيه تكليف بالمحال ، ولا يجدي إمكان إيقاعهما قبله ؛ لأنّ الفرض أنّه قد فات.
وأمّا لو كانا مضيّقين مطلقين ـ كأداء الدين ، وإزالة النجاسة عن المسجد ـ فلا يمكن الاحتجاج على النهي عن أحدهما بتعلّق الأمر بالآخر ؛ لتساويهما فيه ، فكلّ منهما من أوّل وقت وجوبهما إلى أن يمضي قدر ما يفعل فيه أحدهما من الزمان يجب تخييرا لا عينا ، ولا يعصي المكلّف باختيار أحدهما ؛ لأنّ وجوبهما فيه ابتدائي لا يمكن أن يكونا معا متحتّمين فيه ، وإلاّ لزم التكليف بالمحال ، وإذا مضى من أوّل وقت وجوبهما ما يفعل فيه أحدهما ، فيصير حكمهما كحكم الموقّتين من دون تفاوت ، إلاّ أنّه لمّا كان هنا مأمورا بامتثال أحدهما في الجزء الأوّل من الوقت ، والآخر في الثاني ، فأخّر الأوّل إلى الثاني ، والثاني إلى الثالث ، فيلحقه إثمان.
وممّا ذكر يعلم حال ما لو كان أحدهما مضيّقا مطلقا ، والآخر مضيّقا مقيّدا. هذا.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
