وأنت خبير بأنّ هذه الأدلّة إنّما تنتهض حجّة إذا كان المأمور به واجبا مضيّقا ، والضدّ واجبا موسّعا ، أو مستحبّا ، أو مباحا ، وأمّا إذا كان واجبا مضيّقا ، فلا ؛ لأنّ كليهما حينئذ واجبان مضيّقان (١) قد امر بهما ، فمن أين يقدّم أحدهما؟ فالنهي عن الضدّ بالأمر المضيّق ينحصر بما إذا كان الضدّ مباحا ، أو مستحبّا ، أو واجبا موسّعا دون ما إذا كان مضيّقا.
وقد عرفت (٢) سابقا أنّ المأمور به إذا كان أحد المضيّقين يحصل بحسب التركيب الثنائي سبعة أقسام :
أربعة منها ما يكون الضدّ فيه واجبا موسّعا ، فيلزم فيها من الأمر النهي عنه ؛ لأنّ الوقت المضيّق لمّا تعيّن لإيقاع الواجب المضيّق فيه ، خرج عن أن يكون وقتا للواجب الموسّع ، وإلاّ لما كان فائدة في جعل هذا الوقت المضيّق ـ الذي ليس إلاّ بقدر ما يفعل فيه الواجب المضيّق ـ وقتا له على التعيين ، فلو فعل الموسّع فيه كان باطلا ، فمنع خروجه عن وقته الموسّع ، وادّعاء وجود الفائدة ـ نظرا إلى أنّ الفائدة عصيان المكلّف بترك الواجب المضيّق فيه ، وإن كان مؤدّيا للواجب الموسّع لو أتى به ـ فيه مكابرة.
وثلاثة منها يكون الضدّ فيها واجبا مضيّقا :
الأوّل : أن يكون المأمور به والضدّ واجبين مضيّقين ، موقّتين.
الثاني : أن يكونا مضيّقين مطلقين (٣).
الثالث : أن يكون أحدهما مطلقا والآخر موقّتا.
ولا يلزم في شيء منها من الأمر النهي عن الضدّ.
وتوضيح ذلك : أنّه لو كانا مضيّقين موقّتين ـ كما إذا أخّر المكلّف الواجبين الموسّعين إلى أن يبقى من الوقت مقدار ما يفعل فيه أحدهما ولا يتصوّران في الشرعيّات فيما عدا ذلك ؛ إذ لم يرد في الشرع من هذا القبيل غيره ـ لم يمكن الاحتجاج على بطلان أحدهما ؛ لتعلّق الأمر بكلّ منهما من غير أن يكون أحدهما أهمّ من الآخر ، بل ما يقتضيه القواعد
__________________
(١) كذا في النسختين. والأولى : « واجب مضيّق ».
(٢) في ص ٦٥٢.
(٣) مرّ في ص ٦٥٢ ما في الجمع بين التضييق والإطلاق ، فراجع.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
