وعلى الحلّ الذي ذكرناه : منع الصغرى ، سواء اريد عدم التعيّن عند الشارع ، أو المكلّف ؛ لأنّ آخره ـ وهو آخر أزمنة التمكّن بظنّ المكلّف ـ متعيّن عندهما.
ومنها : قوله تعالى : ( ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ )(١) ذمّ إبليس على ترك البدار ، ولو لم يقتض الفور ، لما استحقّ الذمّ وكان له أن يقول : ما أمرتني بالبدار (٢).
والجواب : أنّ هذا الأمر كان مقيّدا بوقت معيّن ، وهو وقت التسوية والنفخ بدليل قوله تعالى : ( فَإِذا سَوَّيْتُهُ )(٣) ، فلمّا لم يأت بالفعل فيه استحقّ الذمّ.
ومنها : قوله تعالى : ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ )(٤) ، وفعل (٥) المأمور به منها ، فيجب الاستباق إليه. وقوله : ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ )(٦) ، والمراد سببها بالاتّفاق ، وليس المراد منه سببا خاصّا كالتوبة ؛ للزوم الترجيح بلا مرجّح ، فالمراد منه فعل المأمور به مطلقا ، فيجب المسارعة إليه ، ولا يتحقّق الاستباق والمسارعة إلاّ بإيقاعه فورا (٧).
واجيب عنه بأنّ الأمر بالاستباق والمسارعة محمول على الأفضليّة دون الوجوب ؛ لأنّهما إنّما يتصوّران في الموسّع دون المضيّق ، ولا يجبان فيه.
أمّا الثاني ؛ فللإجماع. وأمّا الأوّل ؛ فلأنّ الإتيان بالمأمور به في الوقت الذي لا يجوز التأخير عنه لا يسمّى استباقا ومسارعة عرفا ، فلو حمل على الوجوب ، يلزم أن يكون ما يقتضيه الصورة (٨) فيهما منافيا لما يقتضيه المادّة ؛ لأنّ الصورة تقتضي المنع عن التأخير ، والمادّة ـ وهي المصدر ـ تقتضي جوازه (٩).
__________________
(١). الأعراف (٧) : ١٢.
(٢) حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٨٦ ، والفخر الرازي في المحصول ٢ : ١١٥ ، والشيخ حسن في معالم الدين : ٥٦.
(٣) الحجر (١٥) : ٢٩.
(٤) البقرة (٢) : ١٤٨.
(٥) أي إتيانه.
(٦) آل عمران (٣) : ١٣٣.
(٧) حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٨٨.
(٨) في النسختين : « الصفة ». وما يأتي يقتضي كون الكلمة : « الصورة » أو « الصيغة ».
(٩) حكاه الأنصاري عن الشافعي في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى ١ : ٣٨٩ ، والشيخ حسن في معالم الدين : ٥٧.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
