المعرّف هو الاجتهاد الفعليّ ، وعرّف بأنّه : « استفراغ الوسع ... » فإنّه يتوقّف عليها ؛ لكونها مبدأه ومصدره.
وأمّا إذا جعل المعرّف هو حقيقة الاجتهاد وذاته ، فهو نفس تلك الملكة ، كما تبيّن لك (١) ، وهي لا تنفكّ عن المقدّمات والشرائط المذكورة ، ولا يمكن وجودها بدون وجودها ، بل حصولها مسبوق على حصولها.
وأمّا المقدّمات ، فلا تستلزمها كلّيا ؛ لأنّ نسبتها إليها ليست نسبة إيجابيّة بمعنى وجوب حصولها عند تحصيلها ، بل نسبة إعداديّة ، فإن كان للنفس استعداد ذاتي وصفاء غريزي يفاض عليها تلك الملكة بعد تحصيل تلك المقدّمات من المبادئ الفيّاضة ، وإلاّ فلا ، فمن حصلت له هذه الملكة ، فقد حصل له جميع ما يتوقّف عليه استنباط الأحكام ، فهو مجتهد على الإطلاق ، ومن لم تحصل له فليس مجتهدا مطلقا وإن بلغ في تحصيل المقدّمات ما بلغ.
ثمّ لا بدّ لنا هنا من بيان أمرين :
أحدهما : الوجه في توقّف استنباط الأحكام عليها.
وثانيهما : طريق معرفتها.
وبيان الأوّل : أنّ الأدلّة التي لها معارضات لا بدّ فيها من الترجيح ، والتي لها لوازم غير بيّنة لا بدّ فيها من العلم بها ، والحكم بها على ما يقتضيه ذو المقدّمة ، كما إذا كان واجبا يحكم بوجوب ما يتوقّف عليه وحرمة ضدّه ، وإن كان حراما يحكم بحرمة ما يتوقّف عليه ووجوب ضدّه ، وكذا يحكم بما يقتضيه مفهومه ، وغير ذلك. والتي لها أفراد غير بيّنة الفرديّة لا بدّ فيها من الحكم بفرديّتها للكلّيّات المذكورة فيها.
وربما كان لمعارضاتها أو مقدّماتها أو أضدادها أفراد غير بيّنة الفرديّة ، فلا بدّ من الحكم بفرديّتها أيضا. وربما وجدت أشياء ظنّ فرديّتها لها ولم تكن أفرادا ، فلا بدّ من الحكم بإخراجها ، مثلا في قوله صلىاللهعليهوآله : « إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » (٢) ، لا بدّ من العلم بأنّ
__________________
(١) في ص ٩٠٠.
(٢) الكافي ٣ : ٢ ، باب الماء الذي لا ينجّسه شيء ، ح ١ ، وتهذيب الأحكام ١ : ٤٠ ، ح ١٠٩ ، والاستبصار ١ : ٦ ، ح ١ و ٣. وفي المصادر : « إذا كان الماء ... ».
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
