ومهما يمكن إنّما يحصل من ملاحظة الطبقات ، والتمييز الحاصل من مثله إنّما هو من ظنّ ضعيف لا يمكن اعتباره.
ومنها : أنّ بعض الرواة كان على خلاف الحقّ ، ثمّ رجع إليه ، وبعضهم كان عليه ، فرجع إلى خلافه ، وما وصل إلينا من رواياتهم لا يعلم أنّها صدرت عنهم في أيّ الحالين حتّى نقبلها أو نردّها.
ومنها : أنّ قبول خبر جميع رجال سنده الثقات يتوقّف على العلم بعدم سقوط واسطة من البين ، وهو غير ممكن في بعض الأخبار.
ومنها : أنّه كثيرا ما يذكر جماعة من الرواة بعطف بعضها على بعض ، وبعد التتبّع يعلم أنّ العطف سهو ، والصواب نقل البعض عن بعض ، وكذا الحال في عكس ذلك.
ومنها : أنّه يحكم بالجرح والتعديل بشهادة الميّت ، وهو غلط.
وأنت خبير بإمكان دفع كلّ واحدة من هذه الشبهات بطريق على حدة.
وربما ظهر لك الجواب عن بعضها فيما سبق ، ونجيب هنا بما يندفع به جميعها ، وهو أنّها تشكيكات في مقابلة الضرورة ؛ لأنّا نعلم في كثير من الأخبار أنّها لم يروها إلاّ جماعة حصل لنا العلم أو الظنّ المعتبر شرعا بالتتبّع وأقوال أرباب الرجال باتّصافهم بصفة العدالة أو الصدق الذي هو المناط في قبول الخبر ، ونعلم في كثير منها أنّ من رواتها من حصل لنا العلم أو الظنّ بالطريق المذكور باتّصافه بالفسق والكذب. هذا.
واعتبار الظنّ الحاصل من علم الرجال يعلم ممّا تقدّم ، من ثبوت حجّيّة الخبر الصحيح والموثّق ، وقبول خبر الواحد في الجرح والتعديل وغير ذلك.
[ الأمر ] التاسع (١) : ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد أن يكون له ملكة قويّة وقريحة مستقيمة يقتدر بها على ردّ الجزئيّات إلى الكلّيّات ، واقتناص الفروع من الاصول ، والترجيح في مقام التعارض.
ولا يخفى عليك أنّ جعل هذه الملكة من شرائط الاجتهاد إنّما يتأتّى إذا جعل الاجتهاد
__________________
(١) تقدّم الأمر الثامن في ص ٩٣٣.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
