المسألة نفسها ؛ لأنّه ما لم يصحّ مطلق التجزّي ، لم يصحّ اجتهاد المتجزّئ في مسألة اصوليّة هي مسألة التجزّي ، مع أنّ صحّة مطلق التجزّي تتوقّف على اجتهاده في هذه المسألة ، فاعتماد المتجزّئ على صحّة مسألة التجزّي ـ أي مساواته للمجتهد المطلق ـ تجزّ في مسألة التجزّي.
ويرد عليه : أنّ صحّة اجتهاد المتجزّئ في الفروع تتوقّف على مسألة اصوليّة هي صحّة اجتهاده في مسألة تجزّي الاجتهاد وهي تثبت بدليل ظنّي ، فلا معنى لتوقّفها على صحّتها في نفسها ؛ لأنّ صحّتها في نفسها ليست إلاّ كونها مطابقة للواقع ، ومطابقة الشيء للواقع إنّما تعلم بالدلالة ، والدلالة الظنّيّة هنا موجودة.
فإن قيل : ترجيح هذه المسألة الاصوليّة وإثباتها للمتجزّئ بالأدلّة الظنّيّة فرع ثبوت التجزّي ؛ إذ لو لم يجز لم يصحّ له أن يثبتها.
قلت : التجزّي المتنازع فيه هو التجزّي في الفروع. وأمّا التجزّي في الاصول ، فجائز إجماعا ؛ فإنّهم أجمعوا على أنّه يجوز لمن حصل له الظنّ بمسألة أن يعمل بمقتضاه ، وبهذا يندفع ما قيل : إنّ صحّة التجزّي توجب التعلّق بالظنّ في العمل بالظنّ (١) ، وجعل هذا مرجع الدور.
بيانه أنّ جواز عمل المتجزّئ بظنّه الحاصل من اجتهاده في الفروع يتوقّف على جواز عمله بظنّه الحاصل من اجتهاده في الاصول ، فيتوقّف الظنّ على الظنّ وهو الدور.
ووجه الاندفاع أنّ جواز العمل بالظنّ في الاصول يثبت بالإجماع القطعي ، فأحد الظنّين يتوقّف على الآخر ، والآخر لا يتوقّف عليه.
والحاصل أنّ جواز عمل المتجزّئ باجتهاده في مسألة فرعيّة خاصّة يتوقّف على جواز عمله باجتهاده ، وهذه مسألة اصوليّة ، فإن اكتفي في مسائل الاصول بالظنّ ثبت المطلوب ، وإلاّ نقول : دلّ القطع على الاكتفاء بالظنّ في هذه المسألة ؛ لأنّ المتجزّئ لا بدّ له إمّا من الاجتهاد أو التقليد ، وإلاّ لزم التكليف بالمحال ، فإن اشترط القطع لم يجز شيء منهما ؛ لعدم القاطع أصلا ، فيعود الإشكال.
__________________
(١) راجع : معالم الدين : ٢٣٩ ، والوافية : ٢٤٦.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
