لهم ؛ لأنّه لا ريب في أنّ جميع الأحكام المحتاج إليها ـ التي ما زبر في كتاب (١) الفروع تذر منها ـ ليست ظاهرة من ظواهر القرآن والسنّة ، والمنكر لذلك مكابر.
فالمراد من الأخبار أنّ الجميع ممّا يمكن أن يستنبطه الماهرون منهما بمعونة المقدّمات العقليّة والنقليّة ، وبوجوه الدلالات من الصريحة والفحوائيّة ، والمطابقيّة والتضمّنيّة والالتزاميّة ، والإيماء والإشارة ، والمنطوق والمفهوم ، أو بالنصّ على العلّة ، أو اتّحاد طريق المسألتين ، أو تنقيح المناط ، أو بالإجماع الذي علم دخول قول المعصوم فيه ؛ لأنّ الحكم المعلوم منه علم في الحقيقة من قول المعصوم ، إلى غير ذلك.
ولا ريب أنّ الاستنباط على هذا النحو هو عين الاجتهاد ، ولو كان استنباط الحكم منحصرا بما ذكره الأخباريّون ، لزم طرح هذه الأخبار رأسا ؛ على أنّ وجود كلّ حكم في السنّة لا يقتضي وصوله إلينا ؛ لأنّ أئمّتنا لم يتمكّنوا من إظهار الجميع.
وطعن قدماء أصحابنا ـ كالفضل وغيره (٢) ـ على العامّة لقولهم بالرأي والاجتهاد ، واحتجاجهم بها عليهم إنّما هو على ما ذهبوا إليه من العمل بالأقيسة الفاسدة ، والاستحسانات العقليّة ، والمصالح المرسلة. ومرادهم من الرأي والاجتهاد اللذين نسبوهما إليهم ذلك ، لا ما عداه ممّا يتوقّف فهم الأدلّة الشرعيّة عليه ، وذهب الفرقة المحقّة إلى حجّيّته ، ودوّنه رؤساء الشيعة وعظماؤهم كالمفيد والمرتضى والشيخ في مصنّفاتهم (٣).
وأمّا الأخبار الدالّة على المنع من أخذ الأحكام من غير حجج الله ، والدالّة على وجوب العمل بأحاديثهم ، والرجوع إلى رواة أخبارهم (٤) ، فلا ريب فيها ونحن لا ننكرها ، بل نقول : أخذ الأحكام من كلامهم يتوقّف على العلم بمقدّمات ، وبذل الجهد واستفراغ الوسع ؛ لأنّ أحاديث آل محمّد صلىاللهعليهوآله صعبة مستصعبة لا يحملها كلّ أحد ، وفيها عامّ وخاصّ ، ومطلق ومقيّد ، ومحكم ومتشابه ، وناسخ ومنسوخ كما مرّ مفصّلا (٥) ، فلا بدّ من بذل المجهود ،
__________________
(١) في « ب » : « كتب ».
(٢) تقدّم ذكره في ص ٩١٣. راجع كتابه الإيضاح وهو ليس بمتناولنا.
(٣) كرسائل اصوليّة للمفيد ، والذريعة والعدّة في أصول الفقه.
(٤) تقدّم ذكرها في ص ٩١٤ ـ ٩١٥.
(٥) تقدّم في ص ٩٠١.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
