تمهيد مقدّمة لما نحن بصدده من بيان حقيقة الاجتهاد وحقّيّته ، وتزييف أقوال خرجت مخالفة له.
فنقول : إذ ثبت ذلك وثبت فيما تقدّم أيضا (١) أنّه لا طريق إلى تحصيل القطع بالحكم من الأدلّة الشرعيّة ، بل الغالب حصول الظنّ به منها ، فالمستنبط إذا أراد استنباط حكم ، فلا بدّ له أن ينظر إلى أنّه من أيّ دليل يستخرج : من كتاب أو سنّة أو منهما أو من إجماع أو دلالة عقليّة؟ فإن استخرج من كتاب أو سنّة أو منهما ، فلا بدّ أن يلاحظ أنّ استنباطه منهما يتوقّف على أيّ مقدّمات ، فيفعل على ما أدّى نظره فيها إليه؟ وإن لم يكن فيهما ما يمكن استنباطه منه ويتوقّف (٢) على ردّه إلى إجماع أو دلالة عقليّة ، فلا بدّ أن يردّه إليها ويفعل على مقتضى ما يوجبه رأيه فيهما ، وإن تعارضت فيه الأدلّة ، فينظر في وجوه التراجيح ويفعل ما يقتضيه نظره فيه.
هذا هو حقيقة الاجتهاد ، ومن حصل له هذه المرتبة فهو المجتهد ، ووظيفته استنباط الأحكام عن أدلّتها التفصيليّة ، وغيره المقلّد ووظيفته الرجوع إليه. وهذا معنى قول المتشرّعة : الناس صنفان : مجتهد ، ومقلّد.
ثمّ إثبات حقّيّة الاجتهاد وتوقّف الاستنباط عليه يتوقّف على بيان امور :
[ الأمر ] الأوّل : لا ريب في ثبوت التكليف وبقائه.
[ الأمر ] الثاني : لا شبهة في وجوب إطاعة الله وإطاعة حججه ، وهي لا تتحقّق إلاّ بالإتيان بمرادهم ؛ لأنّ الأصل كون كلّ أحد مكلّفا بفهم مرادهم والعمل به.
ويدلّ عليه ورود النهي عن التقليد (٣) ، ولمّا كان فيه (٤) حرج عظيم وتعطيل امور المعاش ، سقط وجوبه العيني بالكفائي ، فيجب على طائفة تحصيل ما يصلون به إليه.
ويدلّ عليه ورود الأمر بالتفقّه ، كقوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ )(٥) الآية ، وقوله تعالى :
__________________
(١) تقدّم في ص ٩٠٠.
(٢) في « ب » : « توقّف ».
(٣) الزخرف (٤٣) : ٢٣ : ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ).
(٤) أي في الاجتهاد.
(٥) التوبة (٩) : ١٢٢.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
