وقيل : لا يجوز مطلقا ؛ لأنّ أحدهما كذب ، فالتكليف به قبيح (١).
وقيل : يجوز فيما يتغيّر ؛ لإمكان اختلافه في المصلحة والمفسدة باختلاف الزمان ، ولا يجوز فيما لا يتغيّر ؛ لكونه مصلحة لا تتغيّر (٢).
والحقّ الثاني ؛ لأنّه لا ينفكّ عن البداء أو الكذب ؛ لاتّحاد وقت مدلول الخبرين ؛ إذ لولاه لم يتصوّر نسخ وإن اختلف وقت الإخبار ، والكذب قبيح على الله مطلقا ، وجوازه إذا اشتمل على مصلحة إنّما هو للعباد. ثمّ كون ذلك نسخا لأجل (٣) أنّ الإخبار الأوّل كان واجبا أو ندبا ، فرفعه بأحد الوجهين رفع حكم شرعي.
وثانيهما : النسخ في مدلول الخبر ، كأن يقول : « عمّرت نوحا ألف سنة » ثمّ ظهر أنّه عمّر ألف سنة إلاّ خمسين عاما ، فإن كان مدلوله ممّا لا يتغيّر ، كوجود الصانع ، فلا يجوز نسخه وفاقا.
وإن كان ممّا يتغيّر ، فإن كان الخبر خبرا عن الأمر ، كما إذا قال : « هم مأمورون بصوم رمضان » (٤) ، ثمّ قال : « لا تصوموا رمضان » فيجوز نسخه ، إلاّ أنّه ليس في الحقيقة نسخ الخبر ، بل نسخ الأمر.
وإن كان خبرا محضا (٥) ، فإن احتمل كون ما يرد ثانيا بيانا لإرادة المجاز ، كان تخصيصا لا نسخا ، سواء كان المدلول حكما شرعيّا كأن يقول : « لاعاقبنّ الزاني أبدا » ، ثمّ يقول : « أردت سنة » أو لا ، كما إذا قال : « اعمّر زيدا أبدا » ، ثمّ قال : « أردت ألف سنة » ، ولا فرق بين أن يعلم البيان بقول المخبر ، أو العقل ، أو الحسّ.
وإن لم يحتمل أن يكون بيانا ، بل تعيّن كونه نسخا ـ كأن يقول : « لاعطينّك كذا » أو يقول : « لأجعلنّك خليفة على الأرض » ، ثمّ قال : « لا أفعل ذلك » ـ لم يجز ؛ لاستلزامه الكذب ، وهو قبيح.
__________________
(١) حكاه الآمدي عن المعتزلة في الإحكام في أصول الأحكام ٣ : ١٥٧.
(٢) حكاه الآمدي عن البصري وغيره في الإحكام في أصول الأحكام ٣ : ١٥٨ ، ونسبه ابن الحاجب إلى القاضي وأبي هاشم وكثير في منتهى الوصول : ١٦٠.
(٣) هذا متعلّق بالمقدّر خبر للمبتدا وهو « كون ذلك ».
(٤) فإنّ هذا الكلام إخبار عن تعلّق الأمر بصوم رمضان فالمخبر به إنشاء.
(٥) أي لا يكون المخبر به أيضا إنشاء.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
