تعالى وفي الواقع إنّما كان إلى ذلك الوقت ؛ لعلمه تعالى بأنّه يبقى إلى هذا الوقت وينقطع بعده ، فلو قدّر عدم ورود الناسخ لكان منقطعا عنده تعالى ، فهو بالنسبة إليه وفي الواقع بيان انتهاء الحكم ، والناسخ مبيّن له.
والقول بأنّه يجوز تعلّق علمه برفع الناسخ إيّاه (١) ، يدفعه أنّ الأحكام تتبع المصالح ، فتغيّر (٢) بتغيّرها ، وتغيّرها إنّما هو بحسب الأوقات والأشخاص والأعراض المختلفة.
فالنسخ هو ثبوت حكم في زمان دون آخر ، أو الأشخاص دون آخرين ، أو عند وجود صفة دون اخرى ، فهو ينقطع بانقطاعها وانتهائها ، فبعدها لا يكون ثابتا حتّى يكون الناسخ رافعا له ، بل هو مبيّن لعدمه فيه.
نعم ، هو بالنسبة إلينا دفع ؛ لعدم علمنا بأنّ ثبوته إلى وقت خاصّ ، بل المعلوم عندنا أنّه باق في كلّ وقت ولذا لو لم يطرأ الناسخ لبقي في حقّنا.
ويظهر من ذلك أنّ لكلّ من التعريفين وجها إلاّ أنّ الثاني أولى ؛ لأنّ طريان الناسخ يكشف لنا عدم ثبوته بعد ذلك ، فيعلم أنّه مبيّن لا رافع.
ثمّ إنّ تقييد الحكم بالشرعي ؛ لإخراج المباح بحكم الأصل إذا رفع بدليل شرعي ، فإنّه ليس نسخا. ويندرج في الحكم الشرعي ما استفيد من خطاب الشرع منطوقه ومفهومه ، وصريحه وفحواه ، أو من فعل النبيّ صلىاللهعليهوآله.
وتقييد الدليل بالشرعي ؛ ليخرج رفعه بالعجز والموت والنوم والغفلة والجنون ، فإنّ رفعه بها وإن اقتضاه دليل إلاّ أنّ الدالّ هو العقل ، بمعنى أنّه يحكم برفعه بها ، ومجرّد ذلك يخرجه عن النسخ وإن انضمّ إليه دلالة شرعيّة أيضا ، فلا يرد أنّ دلالة العقل عليه لا تمنع من دلالة الشرع عليه أيضا (٣).
ثمّ هذا مبنيّ على عدم جواز النسخ بالعقل ، فمن جوّز النسخ بالعقل لا يحتاج إلى هذا التقييد.
__________________
(١) قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : ١٥٦.
(٢) أي فتتغيّر بحذف إحدى التاءين.
(٣) نسبه ابن الحاجب إلى أبي مسلم الأصفهاني في منتهى الوصول : ١٥٤.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
