مجرى قوله : « إن لم يتوبوا » على أنّه لا يمكن كونه شرطا على الحقيقة ، وإلاّ لما صحّ دخوله على الماضي ، مع أنّه قد يذكر فيه ، كما يقال : « حججت وزرت إن شاء الله » فتعيّن كونه استثناء خاصّا ، فإذا عاد إلى الجميع البتّة ، فكذلك غيره ؛ لعدم فرق سوى أنّه استثناء بالمشيّة ، والآخر استثناء بغيره ، وهو لا يصلح لأن يكون سببا لاختلاف الأحكام.
والقول بأنّه ليس شرطا ولا استثناء وإنّما يذكر ليقف الكلام عن النفوذ والمضيّ لا لغير ذلك (١) ، كلام خال عن التحصيل.
ثمّ إنّه لو فرض أنّ كلّ واحد من هذه الأدلّة لا يفيد الظنّ بالمطلوب ، فلا ريب في إفادة المجموع له ، فجميعها يصلح لأن ينتهض حجّة لكون الاستثناء ظاهرا في العود إلى الجميع ، وإن كان حقيقة في العود إلى الأخيرة أيضا ، وقد ذكرنا أوّلا أنّه لا منافاة بين أن يكون لفظ حقيقة في معنيين ويكون ظاهرا في أحدهما ، فتذكّر (٢).
وإذ ثبت ذلك فقد اتّضح منه بطلان قول المرتضى ، وهو الاشتراك مع توقّف التعيين على القرينة (٣) ، بل قول بعض المتأخّرين (٤) أيضا ؛ لأنّه أيضا قال بتوقّفه على القرينة ، فثبت من إثبات الدعاوي الثلاث بطلان المذاهب الأربعة الاول ، وكذا القول بالتوقّف. والقولان الآخران قد عرفت (٥) أنّهما خارجان عن محلّ النزاع.
احتجّ القائل الأوّل ـ وهو من ذهب إلى أنّه حقيقة (٦) في العود إلى الجميع ، مجاز في العود إلى الأخيرة (٧) ـ ببعض ما ذكرناه في الدعوى الثالثة (٨). وهو لا يفيد إلاّ ظهوره في الجميع ونحن نقول به ، ولا ينفي كونه حقيقة في الأخيرة ليثبت مطلوبه.
__________________
(١) قاله الشيخ حسن في معالم الدين : ١٣٥.
(٢) تقدّم في ص ٧٨٢.
(٣) تقدّم في ص ٧٨٢.
(٤) تقدّم في ص ٧٨٣.
(٥) ص ٧٨٤.
(٦) والقائل الأوّل هو الشيخ والشافعي وهما يقولان بالظهور لا الحقيقة. راجع ص ٧٨١ ـ ٧٨٢.
(٧) تقدّم تخريجه في ص ٧٨٤.
(٨) تقدّم في ص ٧٨٧.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
