والحقّ أنّ ماهيّة الصلاة بأجزائها وشرائطها وموانعها إن كانت معلومة من خارج ولم يكن عدم هذه الامور (١) شيئا من الأوّلين (٢) ، ولا وجودها من الآخر ، فالنهي عنها لا يدلّ على فسادها ؛ لأنّ تعلّق النهي بشيء مغاير لآخر لا يقتضي تعلّقه بهذا الآخر ، وإلاّ (٣) فالنهي عنها يدلّ على فسادها ؛ لأنّه إمّا يعلم حينئذ كون عدمها من الشرائط ووجودها من الموانع ، أو يشكّ فيه.
فعلى الأوّل لا إشكال. وعلى الثاني نقول : لا ريب في ورود النهي عنها ، وظاهره يفيد مانعيّة المنهيّ عنه ، كما أنّ ظاهر الأمر يفيد الجزئيّة أو الشرطيّة ؛ لأنّ الأمر بإيقاع فعل في عبادة مركّبة عند بيان حقيقته يدلّ على جزئيّته لها التزاما.
وبهذا يظهر ضعف ما قيل : إنّ الجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة إن كانت مشكوكا فيها كان حكمه (٤) حكم الأوّل ؛ لأنّ الأصل عدمها ، ومجرّد الأمر أو النهي لا يدلّ عليها ؛ لعدم دلالتهما عليها لا مطابقة ولا تضمّنا ولا التزاما.
ثمّ الاختلاف إنّما فيما تعلّق به النهي لأجل العبادة لا لذاته ، وأمّا فيما علم أنّ النهي عنه في العبادة لأجل حرمته مطلقا ، كالنظر إلى الأجنبيّة في الصلاة ، فلا يقتضي فساد العبادة قولا واحدا.
فإن قيل : يلزم على ما ذكرت في الشقّ الأوّل (٥) أن لا يدلّ النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة أيضا على فساد الصلاة ؛ لأنّ النهي فيه أيضا متعلّق بشيء خارج عن حقيقة الصلاة ، مغاير لها.
قلت : لمّا فرض أنّ ماهيّة الصلاة بتمامها معلومة ، والمنهيّ عنه ليس من شرائطها ولا أوصافها ولا موانعها ، والنهي تعلّق بمجرّد المنهيّ عنه من غير مدخليّة له بطبيعة العبادة أو الفرد الخاصّ ، والأمر تعلّق بأحدهما ، فيكون المنهيّ عنه والمأمور به متباينين ، ويكون
__________________
(١) أي الامور الخارجة عن العبادة.
(٢) أي الأجزاء والشرائط. والمراد من الآخر هو الموانع.
(٣) أي وإن لم تكن الأجزاء والشرائط والموانع معلومة من خارج.
(٤) أي حكم القسم الثاني.
(٥) أي إذا علم كون عدمها من الشرائط ووجودها من الموانع.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
