وقد ظهر من ذلك أنّ الدليل المذكور (١) لا يجري في غير العبادات.
والقول بإجرائه فيه ـ إذ التجارة مثلا (٢) قد تكون واجبة وقد تكون مستحبّة ، وعلى تقدير أن لا تكون إلاّ مباحة يلزم أيضا من النهي عنها مع القول بصحّتها اجتماع حكمين فيها وهو غير جائز ؛ لأنّ الأحكام كلّها متضادّة لا يمكن اجتماعها ؛ إذ قد اعتبر في كلّ منها نقيض ما اعتبر في الآخر (٣) ـ ظاهر الفساد ؛ لأنّ التجارة من حيث إنّها واجبة أو مستحبّة من العبادة (٤) ، فرفعهما بالنهي فساد عبادتي (٥) ، ولا ريب في تحقّقه بالنهي وعدم اجتماع وجوبها أو استحبابها معه ، وليس الكلام فيه ؛ لأنّها من هذه الجهة داخلة في قولنا : « النهي عن العبادة يستلزم فسادها ». إنّما الكلام في الفساد السببي وهو غير لازم من النهي ؛ لأنّ مقابله ـ وهو الصحّة بمعنى استتباع الآثار ـ يجتمع مع مدلول النهي ـ أي الحرمة ـ ولا يلزم من اجتماعهما اجتماع الأحكام المتضادّة ؛ لأنّها هي الخمسة المعروفة ، والصحّة السببيّة ليست أحد الأربعة غير الحرمة لتضادّها (٦).
وحاصله : أنّه ليس بين السببيّة التي هي من الأحكام الوضعيّة والحكم التكليفي تقابل حتّى يمتنع اجتماعهما.
فإن قيل : المسلّم عدم جواز تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي ذاتا واعتبارا أو (٧) من جهتين لا يمكن الانفكاك بينهما ، فثبت منه فساد المنهيّ عنه لعينه ، أو لجزئه ، أو للازمه المساوي. وأمّا عدم جوازه من جهتين يمكن الانفكاك بينهما ، فغير مسلّم ؛ للتغاير حينئذ بين المأمور به والمنهيّ عنه ؛ فإنّ النهي عن الصلاة في المغصوبة متعلّق بخصوص هذا الفرد الواقع فيها ، والواجب هو ماهيّة الصلاة لا هذا الكون المخصوص الذي يجوز أن لا يفعل ، فالنهي بالحقيقة يرجع إلى وصف الغصب.
__________________
(١) أي الوجه الأوّل الذي مرّ في ص ٦٨٦.
(٢) لم يرد في « أ » : « مثلا ».
(٣) راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : ١٠٠.
(٤) لا يخفى ما في كون التجارة الواجبة أو المستحبّة عبادة اصطلاحيّة.
(٥) كذا في النسختين. والصحيح : « فساد عباديّ ».
(٦) أي لتتضادّ الصحّة الحرمة بحذف إحدى التاءين. ويمكن قراءة الكلمة بضمّ التاء من المفاعلة.
(٧) لم يرد في « ب » : « أو ».
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
