« ما بعد الطبيعة » كله لم يصل إلى العالم العربى (١). وقد عنى المسلمون عناية خاصة بمقالة اللام ، فترجموها غير مرة (٢) ، ورحبوا بما وقفوا عليه من شروحها ، وخاصة شرح ثامسطيوس الذي فتح الباب فسيحا أمامهم للتوفيق بين الفلسفة والدين (٣). وربما عدّوها عمدة الكتاب جميعه ، لأنها تنصب على البارئ وصفاته الذي يعتبر الموضوع الأساسى للميتافزيقى ، وبذا يصبح ما بعد الطبيعة وعلم التوحيد شيئا واحدا (٤).
وما إن ترجم إلى العربية حتى أخذ مفكرو الإسلام يتدارسونه ويتأثرون به ، وفى رسائل الكندى الفلسفية التي نشرت أخيرا صدى له (٥) ، ولكن نخطئ كل الخطأ إن زعمنا أن هناك صلة مباشرة بينه وبين رسالته المهداة إلى المعتصم والتي عنوانها « فى الفلسفة الأولى » ، فهى ليست ترجمة له ولا تلخيصا مطلقا ، ولا تلتقى معه فى موضوعه وإن رددت بعض ما جاء فيه من آراء ونظريات (٦).
أما الفارابى فقد خلف لنا رسالة دقيقة تبين « أغراض الحكيم فى كل مقالة من كتابه الموسوم بالحروف » ، ويلاحظ فيها بحق أن هدف الكتاب وموضوعه غير واضحين (٧) ، لذلك يستعرض مقالاته مقالة مقالة ، ملخصا ما اشتملت عليه (٨). وعنده أن ما بعد الطبيعة أو العلم الإلهى علم كلى ينظر فى الشىء العام لجميع الموجودات كالوجود ، والوحدة والقوة والفعل ، والمتقدم والمتأخر ، والعلم الكلى أسمى دون نزاع من
__________________
(١) الفارابى ، فى أغراض الحكيم ، ص ٣٤.
(٢) ابن النديم ، الفهرست ، ص ٣٥٢.
(٣) عبد الرحمن بدوى ، أرسطو عند العرب ، الجزء الأول ، القاهرة ١٩٤٧ ، ص (١٩) ـ (٢٢).
(٤) الفارابى ، فى أغراض الحكيم ، ص ٣٤.
(٥) أحمد فؤاد الأهواني ، كتاب الكندى إلى المعتصم بالله فى الفلسفة الأولى ، القاهرة ١٩٤٨ ؛ محمد عبد الهادى أبو ريده ، رسائل الكندى الفلسفية ، القاهرة ١٩٥٠.
(٦) المصدر السابق ، ص ٨٠ (١٢) ـ ٨٠ (١٨).
(٧) الفارابى ، فى أغراض الحكيم ، ص ٣٤.
(٨) المصدر السابق ، ص ٣٦ ـ ٣٨.
