كالمفكرة والمتخيلة لدى الإنسان ، وغير نطقية لا إرادة فيها ولا اختيار ، ومن أمثلتها الطبيعة التي تعتبر قوة بأوسع معنى (١). ومن القوى ما هو قريب ينتقل إلى الفعل فورا ، وما هو بعيد يتم انتقاله فى مرحلة طويلة (٢). ومنها ما هو بالطبع والفطرة ، ومنها ما يكتسب بالعادة والصناعة (٣).
ومن الفلاسفة من يزعم أن القوة لا توجد إلاّ متى وجد الفعل ، فالقاعد ليس فى جبلته أن يقوم ما لم يقم ، والخشب ليس من شأنه أن يصنع بابا ما لم يصنع. وهذا زعم خاطئ ، ومؤداه استحالة الوجود ، لأن كل حادث ـ قبل كونه ـ لا بد أن يكون ممكن الوجود ، وإلا امتنع وجوده. وهذا الإمكان وجود بالقوة ، وتهيؤ للوجود بالفعل (٤). وفى شىء من التهكم يلاحظ ابن سينا أن هذا الزعم يؤدى بأصحابه إلى العمى ، لأنهم إن فقدوا الإبصار بالقوة فلن يروا إلاّ مرة واحدة بالفعل ، ثم لا يرون بعدها شيئا (٥).
وهو فى هذا يناقش ، على نحو ما صنع أرسطو ، رجال المدرسة الميغارية ، وإن لم يصرح باسمهم ، وكل ما يشير إليه أنهم جماعة عاصروا أرسطو وعاشوا بعده (٦). ثم يذكر اسما غريبا هو « غاريقو » (٧) ، وأغلب الظن أنه تعريب محرف لكلمة وقع فيه المترجمون الأول ، فانا نجد الكلمة نفسها فى النص العربى لترجمة « الميتافزيقى » الذي علق عليه ابن رشد (٨) ، وكثيرا ما خلّط هؤلاء المترجمون فى الأسماء اليونانية حين عرّبوها.
والقوة والفعل متقابلان : الأولى نقص والثاني كمال ، وإذا كان العالم الأرضى يخالطه الشر فما ذاك إلاّ لأنه عالم القوة. أما العالم السماوى فعالم الفعل الدائم ، ولا سبيل
__________________
(١) المصدر السابق ، ص ١٧٣ ـ ١٧٤.
(٢) المصدر السابق ، ص ١٧٥.
(٣) المصدر السابق ، ص ١٧٦.
(٤) المصدر السابق ، ص ١٧٨ ـ ١٨٢.
(٥) المصدر السابق ، ص ١٧٧.
(٦) المصدر السابق ، ص ١٧٦.
(٧) المصدر السابق.
(٨) ابن رشد ، تفسير ما بعد الطبيعة ، تحقيق بويج ، بيروت ١٩٥٢ ، ج ٤ ص ٢٢٢٤.
