للشر إليه (١). والفعل سابق على القوة عقلا لأنها تستلزمه فى التصور ، وسابق عليها واقعا لأنها تستلزمه فى الوجود ولا تتحول بدونه. وباختصار ما هو بالفعل أزلى أبدى ، وما هو بالقوة حادث ولا بقاء له.
وواضح أن هذا الفصل يلتقى تمام الالتقاء مع مقالةO من « الميتافزيقى ». ويبدو منه أن ابن سينا فهم فكرة القوة والفعل الأرسطية على وجهها ، وتبين أنها ترمى هى الأخرى إلى تفسير التغير ، كفكرة المادة والصورة. والجديد فيها أنها تتفادى الطفرة والانتقال المفاجئ ، فالتغير عند ابن سينا وأرسطو يسير سيرا مطردا من طرف إلى آخر ، من مجرد استعداد إلى تحقق بالفعل ، والبنّاء لا يبنى إلا أن كان عنده استعداد للبناء ، والوجود ليس إلاّ خروجا من عالم القوة إلى عالم الفعل. غير أن ابن سينا يبرز الجانب العلوى لفكرة الفعل ، ويربطها أكثر من الفيلسوف اليونانى بعالم السماوات ، عالم الأزلية والأبدية ، وهذا يتسق مع نظام الكون الذي تصوّره.
٦ ـ نظرية العلل :
وقف عليها ابن سينا مقالة بأكملها ، وعرضها فى وضوح وترتيب ملحوظين. وإذا كان قد أخذ فيها عن أرسطو ، فإنه أضاف إليه مادة جديدة ، وفصّل القول فيها بدرجة لا تلحظ لدى المعلم الأول. ونحابها منحى يتفق مع الأهداف الرئيسية لمذهبه ، فبرزت لديه الفاعلية إلى جانب الصورية ، وطغت الغائية على الآلية.
وعنده أن العلل أربعة : عنصر أو مادة ، وصورة ، وفاعل ، وغاية. ويراد بالعنصرية أو المادية جزء من قوام الشىء هو ما يكون بالقوة ، وبالصورة جزء من قوام الشىء هو ما يكون بالفعل ، وبالفاعلية ما يفيد وجودا مباينا لذاته ، وبالغائية ما يحصل من أجلها وجود مباين لها (٢). ولا يمكن أن تكون العلل إلا أربعا ، لأن السبب إما أن يكون داخلا فى قوام المسبب وجزءا من وجوده ، أولا. فإن كان داخلا فى قوامه فهو ما يحقق وجوده بالقوة ،
__________________
(١) ابن سينا ، الإلهيات ، ج ١ ، ص ١٨٤ ـ ١٨٥.
(٢) المصدر السابق ، ج ٢ ، ص ٢٥٧.
