بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤١٣
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢   الجزء ٥٣   الجزء ٥٤   الجزء ٥٥   الجزء ٥٦   الجزء ٥٧   الجزء ٥٨   الجزء ٥٩   الجزء ٦٠   الجزء ٦١   الجزء ٦٢   الجزء ٦٣   الجزء ٦٤   الجزء ٦٥   الجزء ٦٦   الجزء ٦٧   الجزء ٦٨   الجزء ٦٩   الجزء ٧٠   الجزء ٧١   الجزء ٧٢   الجزء ٧٣   الجزء ٧٤   الجزء ٧٥   الجزء ٧٦   الجزء ٧٧   الجزء ٧٨   الجزء ٧٩   الجزء ٨٠   الجزء ٨١   الجزء ٨٢   الجزء ٨٣   الجزء ٨٤   الجزء ٨٥   الجزء ٨٦   الجزء ٨٧   الجزء ٨٨   الجزء ٨٩   الجزء ٩٠   الجزء ٩١   الجزء ٩٢   الجزء ٩٣   الجزء ٩٤   الجزء ٩٥   الجزء ٩٦   الجزء ٩٧   الجزء ٩٨   الجزء ٩٩   الجزء ١٠٠   الجزء ١٠١   الجزء ١٠٢   الجزء ١٠٣   الجزء ١٠٤
  نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

بقية الباب ٣٧

سائر ما جرى عليه بعد بيعة الناس

ليزيد بن معاوية إلى شهادته صلوات الله عليه

فلما كان الغداة أمر الحسين عليه‌السلام بفسطاطه فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن يا برير أتضحك ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعاجلهم ساعة ثم نعانق الحور العين (١).

رجعنا إلى رواية المفيد قال قال علي بن الحسين عليهما‌السلام إني جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني (٢) إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده فلان (٣) مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه

__________________

(١) كتاب الملهوف ص ٨٤.

(٢) يقال : مرضه ـ من باب التفعيل ـ اذا أحسن القيام عليه في مرضه وتكفل بمداواته ، قال في اللسان : جاعت فعلت هنا للسلب وان كانت في أكثر الامر انما تكون للاثبات.

(٣) جون. خ ل. وفي المصدر : جوين.

١

وأبي يقول :

يا دهر أف لك من خليل

كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل

وكل حي سالك سبيلي

فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه وقالت وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي وثمال الباقي فنظر إليها الحسين عليه‌السلام وقال لها يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان وترقرقت عيناه بالدموع وقال لو ترك القطا ليلا لنام (١) فقالت يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا (٢) فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ثم لطمت وجهها وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها.

فقام إليها الحسين عليه‌السلام فصب على وجهها الماء وقال لها يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن

__________________

(١) القطا : جمع قطاة وهي طائر في حجم الحمام صوته قطاقطا. وهذا مثل. قال الميداني : نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد ، فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة ، فنبهت المرأة زوجها فقال : انما هي القطا ، فقالت : لو ترك القطا ليلا لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته ، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الامثال ج ٢ ص ١٧٤ تحت الرقم ٣٢٣١.

(٢) لا أرى لذكر الاغتصاب وجها والظاهر أنه تصحيف والصحيح : « أفتحتسب نفسك احتسابا ». يقال : احتسب ولدا له : إذا مات ولده كبيرا ، ومثله احتسب نفسه : إذا عدها شهيدا في ذات الله ، وقد مر في ص ١٣٨ من ج ٤٤ كلام الحسن بن علي عليهما‌السلام « اللهم إني احتسب نفسى عندك » فراجع.

٢

كل شيء هالك إلا وجه الله تعالى الذي خلق الخلق بقدرته ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة فعزاها بهذا ونحوه وقال لها يا أختاه إني أقسمت عليك فأبري قسمي ـ لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.

ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض وأن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم ورجع عليه‌السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون (١).

وقال في المناقب فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة فقالوا وما الذي رأيت يا ابن رسول الله فقال رأيت كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي يا بني أنت شهيد آل محمد وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت وقد أزف الأمر (٢) واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك.

وقال المفيد قال الضحاك بن عبد الله : ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينا عليه‌السلام ليقرأ ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ

__________________

(١) كتاب الإرشاد ص ٢١٥ و ٢١٦.

(٢) في الأصل : وقد أنف الامر ، وأظنه تصحيفا.

٣

حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (١) فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله ابن سمير وكان مضحاكا وكان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال نحن ورب الطيبون ميزنا بكم فقال له برير بن الخضير يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين قال له من أنت ويلك قال أنا برير بن الخضير فتسابا.

وأصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا وقال محمد بن أبي طالب وفي رواية أخرى اثنان وثمانون راجلا وقال السيد روي عن الباقر عليه السلام أنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكذا قال ابن نما وقال المفيد فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس أخاه وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.

وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة وقيل يوم السبت فعبأ أصحابه وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس وعلى الرجالة شبث بن ربعي وأعطى الراية دريدا مولاه وقال محمد بن أبي طالب وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفا وفي رواية عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا.

قال المفيد وروي عن علي بن الحسين أنه قال لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه وقال اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من كرب يضعف عنه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة قال فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين فيرون الخندق في ظهورهم

__________________

(١) آل عمران : ١٧٨ و ١٧٩.

٤

والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان ألقي فيه فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته يا حسين أتعجلت بالنار قبل يوم القيامة فقال الحسين عليه السلام من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن فقالوا نعم فقال له يا ابن راعية المعزى أنت ( أَوْلى بِها صِلِيًّا ) ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك فقال له دعني حتى أرميه فإن الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين وقد أمكن الله منه فقال له الحسين عليه السلام لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم بقتال (١).

وقال محمد بن أبي طالب وركب أصحاب عمر بن سعد فقرب إلى الحسين فرسه فاستوى عليه وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه وبين يديه برير بن خضير فقال له الحسين عليه السلام كلم القوم فتقدم برير فقال يا قوم اتقوا الله فإن ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم فقالوا نريد أن نمكن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم فقال لهم برير أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات بئس ما خلفتم نبيكم في ذريته ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم أنتم.

فقال له نفر منهم يا هذا ما ندري ما تقول فقال برير الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان فجعل القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه.

وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالا بعد حال فالمغرور من غرته

__________________

(١) إرشاد المفيد ص ٢١٧.

٥

والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه واله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتبا لكم ولما تريدون ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) هؤلاء قوم ( كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ).

فقال عمر ويلكم كلموه فإنه ابن أبيه والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع ولما حصر فكلموه فتقدم شمر لعنه الله فقال يا حسين ما هذا الذي تقول أفهمنا حتى نفهم فقال أقول ( اتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ ) ولا تقتلوني فإنه لا يحل لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي فإني ابن بنت نبيكم وجدتي خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد.

وقال المفيد ودعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته يا أهل العراق وجلهم يسمعون فقال أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي وحتى أعذر عليكم فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ( ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على النبي وعلى ملائكته وعلى أنبيائه فلم يسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ منه في منطق.

ثم قال أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوهم فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول مؤمن مصدق لرسول الله صلى الله عليه واله بما جاء به من عند ربه أوليس حمزة سيد الشهداء عمي أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي أولم

٦

يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه واله لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم اسألوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك (١) يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه واله لي ولأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي.

فقال له شمر بن ذي الجوشن هو ( يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ ) إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك.

ثم قال لهم الحسين عليه السلام فإن كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الأشعث يا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجند فقال له قيس بن الأشعث ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب فقال لهم الحسين عليه السلام لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد.

ثم نادى يا عباد الله ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) وأعوذ ( بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ )

ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان بعقلها وأقبلوا يزحفون نحوه(٢).

__________________

(١) مات جابر بن عبد الله سنة ٧٤ وشهد جنازته الحجاج والظاهر أنه بالكوفة وأبو سعيد الخدري سنة ٦٤ ـ ٧٤ وسهل بن سعد هو آخر من مات بالمدينة سنة احدى وتسعين وزيد بن أرقم سنة ٦٦ بالكوفة ، وأنس بن مالك آخر من مات بالبصرة سنة ٧١ وكان قاطنا بها.

(٢) الإرشاد ص ٢١٧ و ٢١٨.

٧

وفي المناقب روى بإسناده عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن عبد الله قال لما عبأ عمر بن سعد أصحابه للمحاربة الحسين بن علي عليهما السلام ورتبهم مراتبهم وأقام الرايات في مواضعها وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة فقال لأصحاب القلب اثبتوا.

وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة فخرج عليه السلام حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من المهلكين وكلكم عاص لأمري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام وطبع على قلوبكم ويلكم ألا تنصتون ألا تسمعون فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم وقالوا أنصتوا له.

فقام الحسين عليه السلام ثم قال تبا لكم أيتها الجماعة وترحا أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين فأصرختكم مؤدين مستعدين سللتم علينا سيفا في رقابنا وحششتم علينا نار الفتن خبأها عدوكم وعدونا فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا عليهم لأعدائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم إلا الحرام من الدنيا أنالوكم وخسيس عيش طمعتم فيه من غير حدث كان منا لا رأي تفيل لنا فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر والجأش طامن والرأي لم يستحصف ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب وتداعيتم كتداعي الفراش فقبحا لكم فإنما أنتم من طواغيت الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرفي الكتاب ومطفئ السنن وقتلة أولاد الأنبياء ومبيري عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ أئمة المستهزئين ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ).

وأنتم ـ ابن حرب وأشياعه تعتمدون وإيانا تخاذلون أجل والله الخذل فيكم معروف وشجت عليه عروقكم وتوارثته أصولكم وفروعكم وثبتت عليه

٨

قلوبكم وغشيت صدوركم فكنتم أخبث شيء سنخا للناصب وأكلة للغاصب ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون ( الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) فأنتم والله هم.

ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين القلة (١) [ السلة ] والذلة وهيهات ما آخذ الدنية أبى الله ذلك ورسوله وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الأسرة على قلة العتاد وخذلة الأصحاب ثم أنشأ يقول :

فإن نهزم فهزامون قدما

وإن نهزم فغير مهزمينا

وما إن طبنا جبن ولكن

منايانا ودولة آخرينا (٢)

ألا ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم الرحى عهد عهده إلي أبي عن جدي ( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ) جميعا ( فَلا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ

__________________

(١) القلة : قلة العدد بالقتل. وفي بعض النسخ : السلة منه رحمه‌الله.

(٢) قائلها فروة بن مسيك المرادى قالها في يوم الردم لهمدان من مراد. وزاد بعدهما في الملهوف :

اذا ما الموت رفع عن أناس

كلاكله أناخ بآخرينا

فأفنى ذلكم سروات قومي

كما أفنى القرون الاولينا

فلو خلد الملوك إذا خلدنا

ولو بقى الكرام إذا بقينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا

سيلقى الشامتون كما لقينا

وقد تروى على غير هذا اللفظ كما نقله ابن هشام في السيرة ج ٢ ص ٥٨٢ :

مررن على لفات وهن خوص

ينازعن الاعنة ينتحينا

فان نغلب فغلابون قدما

وان نغلب فغير مغلبينا

وما ان طبنا جبن ولكن

منايانا وطعمة آخرينا

كذاك الدهر دولته سجال

تكر صروفه حينا فحينا إلخ.

.

٩

بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ولا يدع فيهم أحدا إلا قتله قتلة بقتلة وضربة بضربة ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم فإنهم غرونا وكذبونا وخذلونا وأنت ربنا ( عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ).

ثم قال أين عمر بن سعد ادعوا لي عمر فدعي له وكان كارها لا يحب أن يأتيه فقال يا عمر أنت تقتلني تزعم أن يوليك الدعي ابن الدعي بلاد الري وجرجان والله لا تتهنأ بذلك أبدا عهدا معهودا فاصنع ما أنت صانع فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم.

فاغتاظ عمر من كلامه ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه ما تنتظرون به احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه وعبأ أصحابه.

أقول : قد روي الخطبة في تحف العقول نحوا مما مر ورواه السيد بتغيير واختصار (١) وستأتي برواية الإحتجاج أيضا.

ثم قال المفيد رحمه‌الله فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد أي عمر أمقاتل أنت هذا الرجل قال إي والله قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي قال أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى قال عمر أما لو كان الأمر إلي لفعلت ولكن أميرك قد أبى فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال فما تريد أن تسقيه قال قرة فظننت والله أنه يريد أن يتنحى ولا يشهد القتال فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فو الله لو أنه

__________________

(١) تحف العقول ص ٢٤٠ الملهوف ص ٨٥ ـ ٨٨.

١٠

اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين (١).

فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له مهاجر بن أوس ما تريد يا ابن يزيد أتريد أن تحمل فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل وهي الرعدة فقال له المهاجر إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أرى منك فقال له الحر إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار فو الله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وأحرقت.

ثم ضرب فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون منك هذه المنزلة والله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما ركبت مثل الذي ركبت وأنا تائب إلى الله مما صنعت فترى لي من ذلك توبة فقال له الحسين عليه السلام : نعم يتوب الله عليك فانزل فقال أنا لك فارسا خير مني راجلا أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري فقال له الحسين عليه السلام : فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.

فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر (٢) أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكلكله وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا وحلأتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابهم وها هم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ.

__________________

(١) كذب عدو الله ، فانه قد رأى الحر بعد ذلك حين يقاتل ذبا عن آل رسول الله.

(٢) الهبل : الثكل ، والعبر : الموت يقال عبر القوم : ماتوا.

١١

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام ونادى عمر بن سعد يا دريد أدن رايتك فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال اشهدوا أني أول من رمى الناس (١).

وقال محمد بن أبي طالب فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم قيل فلما رموهم هذه الرمية قل أصحاب الحسين عليه السلام وقتل في هذه الحملة خمسون رجلا وقال السيد فقال عليه السلام لأصحابه قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بد منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة حتى قتل من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة قال فعندها ضرب الحسين عليه السلام يده على لحيته وجعل يقول اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضب بدمي.

وروي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال سمعت أبي عليه السلام يقول لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد لعنه الله وقامت الحرب أنزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى. فاختار لقاء الله تعالى.

قال الراوي ثم صاح عليه السلام أما من مغيث يغيثنا لوجه الله أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله (٢).

وقال المفيد رحمه‌الله وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان وبرز إليه عبد الله بن عمير فقال له يسار من أنت فانتسب له فقال لست أعرفك حتى يخرج إلي زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر فقال عبد الله بن عمير يا ابن الفاعلة

__________________

(١) كتاب الإرشاد ص ٢١٩.

(٢) الملهوف ص ٨٩ و ٩٠.

١٢

وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد وإنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه ثم شد عليه فضربه حتى قتله وأقبل وقد قتلهما جميعا وهو يرتجز ويقول :

إن تنكروني فأنا ابن كلب

أنا امرؤ ذو مرة وعصب

ولست بالخوار عند النكب

وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل الكوفة فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم إلى أين ثكلتك أمك فقال إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع فقال الحسين عليه السلام لأصحابه من هذا فقيل له هذا ابن خوزة التميمي فقال اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فأطارت وعدا به فرسه فضرب برأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه إلى النار ونشب القتال فقتل من الجميع جماعة (١).

وقال محمد بن أبي طالب وصاحب المناقب وابن الأثير في الكامل ورواياتهم متقاربة أن الحر أتى الحسين عليه السلام فقال يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لأكون أول قتيل بين يديك وأول من يصافح جدك غدا وإنما قال الحر لأكون أول قتيل بين يديك والمعنى يكون أول قتيل من المبارزين وإلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الأولى كما ذكر فكان أول من تقدم إلى

__________________

(١) كتاب الإرشاد ص ٢٢٠.

١٣

براز القوم وجعل ينشد ويقول :

إني أنا الحر ومأوى الضيف

أضرب في أعناقكم بالسيف

عن خير من حل بأرض الخيف

أضربكم ولا أرى من حيف

وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان أما والله لو لحقته لأتبعته السنان فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وإن الدماء لتسيل إذ قال الحصين يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه قال نعم فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله وقتل أربعين فارسا وراجلا فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه وبقي راجلا وهو يقول :

إني أنا الحر ونجل الحر

أشجع من ذي لبد هزبر

ولست بالجبان عند الكر

لكنني الوقاف عند الفر

ثم لم يزل يقاتل حتى قتل رحمه‌الله فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول أنت الحر كما سمتك أمك وأنت الحر في الدنيا وأنت الحر في الآخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام وقيل بل رثاه علي بن الحسين عليهما السلام.

لنعم الحر حر بني رياح

صبور عند مختلف الرماح

ونعم الحر إذ نادى حسينا

فجاد بنفسه عند الصياح

فيا ربي أضفه في جنان

وزوجه مع الحور الملاح

وروي أن الحر كان يقول

آليت لا أقتل حتى أقتلا

أضربهم بالسيف ضربا معضلا

لا ناقل عنهم ولا معللا

لا عاجز عنهم ولا مبدلا

أحمي الحسين الماجد المؤملا

قال المفيد رحمه‌الله : فاشترك في قتله أيوب بن مسرح ورجل آخر من

١٤

فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه (١).

وقال ابن شهرآشوب قتل نيفا وأربعين رجلا منهم وقال ابن نما ورويت بإسنادي أنه قال للحسين عليه السلام لما وجهني عبيد الله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي أبشر يا حر بخير فالتفت فلم أر أحدا فقلت والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين وما أحدث نفسي باتباعك فقال عليه السلام لقد أصبت أجرا وخيرا.

ثم قالوا وكان كل من أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام وقال السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه وعليك السلام ونحن خلفك ويقرأ عليه السلام ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ).

ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر وكان من عباد الله الصالحين فبرز وهو يقول :

أنا برير وأبي خضير

ليث يروع الأسد عند الزئر

يعرف فينا الخير أهل الخير

أضربكم ولا أرى من ضير

كذاك فعل الخير من برير

وجعل يحمل على القوم وهو يقول اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين وكان برير أقرأ أهل زمانه فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل فقال لبرير أشهد أنك من المضلين فقال له برير هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا وأن يقتل المحق منا المبطل فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا وضربه برير ضربة قدت المغفر ووصلت إلى دماغه فسقط قتيلا قال فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا رحمه‌الله وكان يقال لقاتله بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان الحرب وجعل يقول :

سلي تخبري عني وأنت ذميمة

غداة حسين والرماح شوارع

ألم آت أقصى ما كرهت ولم يحل

غداة الوغى والروع ما أنا صانع

__________________

(١) الإرشاد ص ٢٢٢.

١٥

معي مزني لم تخنه كعوبه

وأبيض مشحوذ الغرارين قاطع (١)

فجردته في عصبة ليس دينهم

كديني وإني بعد ذاك لقانع

وقد صبروا للطعن والضرب حسرا (٢)

وقد جالدوا لو أن ذلك نافع

فأبلغ عبيد الله إذ ما لقيته

بأني مطيع للخليفة سامع

قتلت بريرا ثم جلت لهمة

غداة الوغى لما دعا من يقارع

قال ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين وجاءه ابن عم له وقال ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا قال فندم الشقي وأنشأ يقول :

فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم

ولا جعل النعماء عند ابن جائر

لقد كان ذا عارا علي وسبة

يعير بها الأبناء عند المعاشر

فيا ليت أني كنت في الرحم حيضة

ويوم حسين كنت ضمن المقابر

فيا سوأتا ما ذا أقول لخالقي

وما حجتي يوم الحساب القماطر (٣)

ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي وقد كانت معه أمه يومئذ فقالت قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله فقال أفعل يا أماه ولا أقصر فبرز وهو يقول :

إن تنكروني فأنا ابن الكلب

سوف تروني وترون ضربي

وحملتي وصولتي في الحرب

أدرك ثأري بعد ثأر صحبي

وأدفع الكرب أمام الكرب

ليس جهادي في الوغى باللعب

__________________

(١) قوله « مزنى » أي رمح مزنى ، وكعوب الرمح : النواشر في أطراف الانابيب وعدم خيانتها : كناية عن كثرة نفوذها وعدم كلالها ، والغراران : شفرتا السيف منه رحمه‌الله.

(٢) جمع حاسر : الذي لا مغفر عليه ولا درع.

(٣) يقال : يوم قماطر بالضم : شديد ، وهنا يحتمل أن يكون وصفا للحساب ، أو وصفا لليوم.

١٦

ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة فرجع إلى أمه وامرأته فوقف عليهما فقال يا أماه أرضيت فقالت ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين عليه السلام فقالت امرأته بالله لا تفجعني في نفسك فقالت أمه يا بني لا تقبل قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله فرجع قائلا

إني زعيم لك أم وهب

بالطعن فيهم تارة والضرب

ضرب غلام مؤمن بالرب

حتى يذيق القوم مر الحرب

إني امرؤ ذو مرة وعصب

ولست بالخوار عند النكب

حسبي إلهي من عليم حسبي

فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا واثني عشر راجلا ثم قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا وأقبلت نحوه وهي تقول فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله فأقبل كي يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت لن أعود أو أموت معك فقال الحسين جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت وجعل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه قال فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها وهي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين.

ورأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا فأسلم هو وأمه على يدي الحسين فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلا واثني عشر فارسا ثم أخذ أسيرا فأتي به عمر بن سعد فقال ما أشد صولتك ثم أمر فضربت عنقه ورمي برأسه إلى عسكر الحسين عليه السلام فأخذت أمه الرأس فقبلته ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته ثم شدت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين فقال لها الحسين ارجعي يا أم وهب أنت وابنك مع رسول الله فإن الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت وهي تقول إلهي لا تقطع رجائي فقال لها الحسين عليه السلام لا يقطع الله رجاك يا أم وهب.

١٧

ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي وهو يقول :

إليك يا نفس إلى الرحمن

فأبشري بالروح والريحان

اليوم تجزين على الإحسان

قد كان منك غابر الزمان

ما خط في اللوح لدى الديان

لا تجرعي فكل حي فان

والصبر أحظى لك بالأماني

يا معشر الأزد بني قحطان

ثم قاتل حتى قتل رحمه‌الله :

وفي المناقب ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو وهو يرتجز ويقول :

صبرا على الموت بني قحطان

كي ما تكونوا في رضي الرحمن

ذي المجد والعزة والبرهان

وذي العلى والطول والإحسان

يا أبتا قد صرت في الجنان

في قصر رب حسن البنيان (١)

ثم تقدم فلم يزل يقاتل حتى قتل ـ رحمة الله عليه ـ

وقال محمد بن أبي طالب ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي وهو يقول :

صبرا على الأسياف والأسنة

صبرا عليها لدخول الجنة

وحور عين ناعمات هنه

لمن يريد الفوز لا بالظنة

يا نفس للراحة فاجهدنه

وفي طلاب الخير فارغبنه (٢)

ثم حمل وقاتل قتالا شديدا ثم قتل رضوان الله عليه.

وخرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي وهو يرتجز ويقول

قد علمت سعد وحي مذحج

أني لدى الهيجاء ليث محرج

أعلو بسيفي هامة المدجج

وأترك القرن لدى التعرج

فريسة الضبع الأزل الأعرج

__________________

(١) في مناقب آل أبي طالب : فى قصر در حسن البنيان.

(٢) قوله : « هنه » الهاء للسكت ، وكذا قوله « فاجهدنه » و « فارغبنه » منه رحمه‌الله.

١٨

ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبد الله البجلي.

ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة رحمة الله وهو يرتجز :

إن تسألوا عني فإني ذو لبد

من فرع قوم من ذري بني أسد

فمن بغانا حائد عن الرشد

وكافر بدين جبار صمد

ثم قاتل قتالا شديدا.

وقال المفيد وصاحب المناقب بعد ذلك وكان نافع بن هلال البجلي يقاتل قتالا شديدا ويرتجز ويقول :

أنا ابن هلال البجلي (١)

أنا على دين علي

ودينه دين النبي

فبرز إليه رجل من بني قطيعة وقال المفيد هو مزاحم بن حريث فقال أنا على دين عثمان فقال له نافع أنت على دين الشيطان فحمل عليه نافع فقتله.

فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أتدرون من تقاتلون تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوما مستميتين لا يبرز منكم إليهم أحد إلا قتلوه على قتلتهم والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال له عمر بن سعد لعنه الله الرأي ما رأيت فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم وقال لو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة.

ودنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين عليه السلام فقال يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام فقال الحسين عليه السلام يا ابن الحجاج أعلي تحرض الناس أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتم عليه والله لتعلمن أينا المارق من الدين ومن هو أولى بصلي النار.

ثم حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا

__________________

(١) كذا في النسخ ، ولكن لا يستقيم الرجز ، والظاهر أن القائل هلال بن حجاج فقال :

أنا هلال البجلي

أنا على دين على

ودينه دين النبي

١٩

ساعة فصرع مسلم بن عوسجة وانصرف عمرو وأصحابه وانقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع وقال محمد بن أبي طالب فسقط إلى الأرض وبه رمق فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام رحمك الله يا مسلم ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ثم دنا منه حبيب فقال يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم فإني أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت فقال حبيب لأنعمتك عينا ثم مات رضوان الله عليه.

قال : وصاحت جارية له يا سيداه يا ابن عوسجتاه فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله ثكلتكم أمهاتكم أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون عزكم أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة أما والذي أسلمت له لرب موقف له في المسلمين كريم لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين.

ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة فثبتوا له (١) وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة فاقتبلوا (٢) حتى دنوا من الحسين وأصحابه فرشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وقاتلوهم حتى انتصف النهار واشتد القتال ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون فيشدون على الرجل يعرض وينهب فيرمونه عن

__________________

(١) في بعض النسخ وهكذا نسخة الإرشاد زيادة وهى : وطاعنوه وحمل على الحسين عليه‌السلام وأصحابه من كل جانب وقاتلهم إلخ.

(٢) في الأصل وهكذا سائر النسخ : فاقتتلوا. وهو سهو.

٢٠