بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٦٣
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢   الجزء ٥٣   الجزء ٥٤   الجزء ٥٥   الجزء ٥٦   الجزء ٥٧   الجزء ٥٨   الجزء ٥٩   الجزء ٦٠   الجزء ٦١   الجزء ٦٢   الجزء ٦٣   الجزء ٦٤   الجزء ٦٥   الجزء ٦٦   الجزء ٦٧   الجزء ٦٨   الجزء ٦٩   الجزء ٧٠   الجزء ٧١   الجزء ٧٢   الجزء ٧٣   الجزء ٧٤   الجزء ٧٥   الجزء ٧٦   الجزء ٧٧   الجزء ٧٨   الجزء ٧٩   الجزء ٨٠   الجزء ٨١   الجزء ٨٢   الجزء ٨٣   الجزء ٨٤   الجزء ٨٥   الجزء ٨٦   الجزء ٨٧   الجزء ٨٨   الجزء ٨٩   الجزء ٩٠   الجزء ٩١   الجزء ٩٢   الجزء ٩٣   الجزء ٩٤   الجزء ٩٥   الجزء ٩٦   الجزء ٩٧   الجزء ٩٨   الجزء ٩٩   الجزء ١٠٠   الجزء ١٠١   الجزء ١٠٢   الجزء ١٠٣   الجزء ١٠٤
  نسخة غير مصححة

٧٠

( باب )

* ( ماظهر من فضله صلوات الله عليه يوم الخندق ) *

١ ـ يف : روى أبوهلال العسكري في كتاب الاوائل قال : أول من قال : « جعلت فداك » علي عليه‌السلام ، لما دعا عمرو بن عبدود إلى البراز يوم الخندق ولم يجبه أحد قال علي عليه‌السلام : جعلت فداك يارسول الله أتأذن لي؟ قال : إنه عمرو بن عبدود قال : وأنا علي بن أبي طالب ، فخرج إليه فقتله ، واخذ الناس منه. ومن غير كتاب الاوائل أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لما أذن لعلي عليه‌السلام في لقاء عمرو بن عبدود وخرج إليه قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : برز الايمان كله إلى الكفر كله (١). ومن كتاب صدر الائمة عندهم موفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم بإسناده أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبدود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة (٢).

أقول : روى ابن شيروية في الفردوس عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مثله ، وفيه : من عمل أمتي. وروى صاحب كتاب الاربعين عن الاربعين عن إسحاق ابن بشير القرشي عن وهب بن الحكم عن أبيه عن جده عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مثله.

وقال العلامة في شرحه على التجريد : قال حذيفة : لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم

____________________

(١) في المصدر : إلى الشرك كله.

(٢) الطرائف : ١٦ ، وفيه : أفضل من عبادة امتي.

١

المسلمون (١) كافة ماخلا عليا ، فإنه برز إليه ، فقتله الله على يديه ، والذي نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة ، و كان الفتح في ذلك اليوم على يد علي عليه‌السلام وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لضربة علي خير من عبادة الثقلين » وذكره القوشجي أيضا في شرحه من غير تفاوت.

وروى الشيخ أمين الدين الطبرسي في مجمع البيان عند سياق هذه القصة برواية محمد بن إسحاق فجز علي عليه‌السلام رأسه وأقبل نحو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ووجهه يتهلل (٢) ، قال حذيفة فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : ابشر ياعلي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله لرجح عملك بعملهم ، وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو ، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو.

وروى السيد أبومحمد الحسيني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن سفيان الثوري عن زبيد الشامي عن مرة عن عبدالله بن مسعود قال : وكان يقرأ « وكفى الله المؤمنين القتال » بعلي (٣).

أقول : وقال السيد بن طاوس في كتاب سعد السعود : قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لضربة علي لعمرو بن عبدود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة » رواه (٤) موفق ابن أحمد المكي أخطب خطباء خوارزم في كتاب المناقب وأبوهلال العسكري في كتاب الاوائل (٥).

وقال ابن أبي الحديد : في شرح نهج البلاغة : فأما الجراحة التي جرحها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود فإنها أجل من أن يقال جليلة ، وأعظم من أن يقال عظيمة وماهي إلا كما قال شيخنا أبوالهذيل وقد سأله سائل : أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبوبكر؟ فقال : ياابن أخي والله لمبارزة علي عمروا يوم الخندق يعدل

____________________

(١) احجم عن الشئ : كف أو نكص هيبة.

(٢) أي يتلالا.

(٣) مجمع البيان ٨ : ٣٤٣.

(٤) في المصدر : وقد روى ذلك منهم اه.

(٥) سعد السعود : ١٣٩.

٢

أعمال المهاجرين والانصار وطاعاتهم كلها ، وتربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده.

وقد روي عن حذيفة بن اليمان مايناسب هذا بل ماهو أبلغ منه : روى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبدالله إن الناس ليتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم أهل البصيرة : إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل ، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال : ياربيعة وما الذي تسألني عن علي عليه‌السلام وما الذي أحدثك به عنه؟ والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الاخرى لرجح على أعمالهم كلها ، فقال ربيعة : هذا المدح الذي لايقام له ولايعقد ولايحمل ، إني لاظنه إسرافا يا أبا عبدالله! فقال حذيفة : يالكع (١) وكيف لايحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع (٢) و الجزع ، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه ، حتى برز إليه علي عليه‌السلام فقتله ، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.

وجاء في الحديث المرفوع أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال ذلك اليوم حين برز إليه : برز الايمان كله إلى الشرك كله. وقال أبوبكر بن عياش : لقد ضرب علي بن أبي طالب عليه‌السلام ضربة ماكان أشأم منها (٣) يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله. وفي الحديث المرفوع أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لما بارز علي عمروا مازال رافعا يديه مقمحا رأسه قبل السماء داعيا ربه قائلا : اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد فاحفظ علي اليوم عليا « رب لاتذرني فردا وأنت خير الوارثين ».

____________________

(١) اللكع : اللئيم. الاحمق.

(٢) الهلع : الجبن عند اللقاء.

(٣) في المصدر : ماكان في الاسلام أشأم منها.

٣

وقال جابر بن عبدالله الانصاري : والله ماشبهت يوم الاحزاب قتل علي عمروا وتخاذل المشركين بعده إلا بما قصه تعالى قصة (١) داود وجالوت في قوله : « فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت (٢) » وروى عمر بن عزهر (٣) عن عمرو بن عبيد عن الحسن أن عليا عليه‌السلام لما قتل عمروا جز رأسه وحمله فالقاه بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقام أبوبكر وعمر فقبلا رأسه ووجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يهلل فقال : هذا النصر أو قال : هذا أول النصر وفي الحديث المرفوع أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يوم قتل عمرو : ذهب ريحهم ولا يغزوننا بعد اليوم ونحن نغزوهم إن شاء الله.

وينبغي أن يذكر ملخص هذه القصة من مغازي الواقدي وابن إسحاق ، قالا : خرج عمرو بن عبدود يوم الخندق وقد كان شهد بدرا فارتث جريحا ، ولم يشهد أحدا ، فحضر الخندق شاهرا نفسه معلما مدلا بشجاعته وبأسه ، وخرج معه ضرار بن الخطاب الفهري وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزوميون ، فطافوا بخيولهم على الخندق إصعادا وانحدارا يطلبون موضعا ضيقا يعبرونه ، حتى وقفوا على أضيق موضع فيه فأكرهوا خيلهم (٤) على العبور فعبرت ، وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة ورسول الله عليه‌السلام جالس وأصحابه قيام على رأسه ، فتقدم عمرو بن عبدود فدعا إلى البراز مرارا ، فلم يقم إليه أحد ، فلما أكثر قام علي عليه‌السلام فقال : أنا أبارزه يارسول الله ، فأمر (٥) بالجلوس وأعاد عمرو النداء والناس سكوت على رؤوسهم الطير ، (٦) فقال عمرو : أيها الناس إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار؟ فلم يقم إليه أحد ، فقام علي عليه‌السلام دفعة

____________________

(١) في المصدر : إلا بما قصه الله تعالى من قصة داود.

(٢) سورة البقرة : ٢٥١.

(٣) كذا في النسخ ، وفي المصدر : وروى عمرو بن أزهر.

(٤) في المصدر : خيولهم.

(٥) في المصدر : فأمره.

(٦) في المصدر : كأن على رؤوسهم الطير.

٤

ثانية وقال : أنا له يارسول الله ، فأمره بالجلوس ، فجال عمرو بفرسه مقبلا ومدبرا إذ جاءت (١) عظماء الاحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدت أعناقها تنظر ، فلما رأى عمرو أن أحدا لايجيبه قال :

ولقد بححت من النداء بجمعهم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن الشجاع موقف القرن المناجز (٢)

إني كذلك لم أزل متسرعا قبل الهزاهز (٣)

إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز

فقام علي عليه‌السلام فقال : يارسول الله ائذن لي في مبارزته ، فقال : ادن ، فدنا فقلده سيفه وعممه بعمامته وقال : امض لشأنك ، فلما انصرف قال : اللهم أعنه عليه فلما قرب منه قال له مجيبا إياه من شعره :

لاتعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية وبصيرة يرجو بذاك نجاة فائز

إني لآمل أن أقيم عليك نائحة الجنائز

من ضربة فوهاء يبقى ذكرها عند الهزاهز (٤)

فقال عمرو : من أنت؟ وكان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين وكان نديم أبي طالب في الجاهلية فانتسب علي عليه‌السلام له وقال : أنا ابن أبي طالب ، فقال :

أجل ، لقد كان أبوك نديما لي وصديقا ، فارجع فإني لا أحب أن أقتلك كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول : إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع :

والله ما أمره بالرجوع إبقاءا عليه بل خوفا منه! فقد عرف قتلاه ببدر وأحد وعلم أنه إن ناهضه قتله ، ( فاستحيا )؟ أن يظهر الفشل فاظهر الابقاء والارعاء وإنه لكاذب فيها قالوا : فقال له علي عليه‌السلام : لكني أحب أن أقتلك : فقال : يا ابن أخي

____________________

(١) في المصدر : وجاءت.

(٢) المناجز : المبارز.

(٣) الهزائز : الحروب والشدائد.

(٤) الفوه محركة : سعة الفم.

٥

إني لاكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك فارجع ورائك خيرا لك (١) ، فقال علي عليه‌السلام : إن قريشا يتحدث عنك أنك قلت : لايدعوني أحد إلى ثلاث الا أجيب (٢) ولو إلى واحدة منها ، قال : أجل ، قال : فإني أدعوك إلى الاسلام ، قال : دع هذه ، قال : فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن يتبعك من قريش إلى مكة ، قال : إذا تتحدث نساء قريش عني أن غلاما خدعني! قال : فإني أدعوك إلى البراز راجلا ، فحمي عمرو (٣) وقال : ماكنت أظن أحدا من العرب يرومها مني ، ثم نزل فعقر فرسه وقيل. ضرب وجهه ففر وتجاولا ، فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة ، فعلموا أن عليا قتله وانجلت الغبرة عنهما وعلي راكب صدره يجز رأسه ، وفر أصحابه ليعبروا الخندق فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبدالله ، فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق ، فرماه المسلمون بالحجارة ، فقال : يامعشر الناس أكرموا من هذه (٤) ، فنزل إليه علي عليه‌السلام فقتله ، وأدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب فضربه فقطع قربوسه (٥) وسقطت درع كان حملها من ورائه ، فأخذه الزبير ، وألقى عكرمة رمحه ، وناوش (٦) عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو (٧) : فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه وقال : إنها لنعمة مشكورة فاحفظها ياابن الخطاب ، إني كنت آليت أن لا يمتلئ يداي (٨) من قتل قرشي فأقتله ، فانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه ، وقد كان جرى له معه

____________________

(١) في المصدر : خير لك.

(٢) في المصدر : إلا أجبت.

(٣) حمى من الشئ : أنف أن يفعله.

(٤) كذا في ( ك ) ، وفي غيره من النسخ : اكرم من هذا. وفي المصدر : فقال : يامعاشر الناس قتلة أكرم من هذه :

(٥) في المصدر : فقطع ثفر فرسه. وهو السير الذي في مؤخر السرج.

(٦) ناوش فلانا : تناوله ليأخذ برأسه ولحيته.

(٧) كذا في النسخ والمصدر ، وهو سهو ، فان ضرار كان ابن الخطاب وأخا عمر ، وقد أمر رسول الله ( ص ) عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب ، راجع المجلد السادس من طبعة أمين الضرب باب غزوة الاحزاب.

(٨) في المصدر : أن لاتمكنني يداي.

٦

مثل هذه في يوم احد ، وقد ذكرناها ، ذكر القصتين (١) معا محمد بن عمرو الواقدي في كتاب المغازي (٢).

توضيح : التقريظ : مدح الحي ووصفه. وارتث فلان على بناء المجهول : حمل من المعركة جريحا. وقد مر مرارا أن كون الطير على رؤسهم كناية عن سكونهم وعدم تحركهم للخوف ، فان الطير لايقع إلا على شئ ساكن. ثم اعلم أن تفصيل القصة وشرحها وسائر مايتعلق بها مذكورة في كتاب النبوة ، وإنما ذكرنا ههنا قليلا منها لمناسبتها لابواب المناقب ، ولايخفى على أحد أن من كان عمل من أعماله معادلا لاعمال الثقلين إلى يوم القيامة وبضربة منه تشيد أركان الدين لا ينبغي أن يكون رعية لمن امتن عليه ضرار فأعتقه وأمثاله من المنافقين.

٧١

( باب )

* ( ماظهر من فضله صلوات الله عليه في غزوة خيبر ) *

١ ـ يف : روى أحمد بن حنبل في مسنده من أكثر من ثلاثة عشر طريقا فمنها عن عبدالله بن بريدة قال : سمعت أبي يقول : حاضرنا (٣) خيبر فأخذ اللواء أبوبكر فانصرف ولم يفتح له ، ثم أخذها من الغد عمر فرجع ولم يفتح له ، ثم أخذها عثمان ولم يفتح له ، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إني دافع الراية غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ، لايرجع حتى يفتح الله له ، وبتنا طيبة أنفسنا أن نفتح غدا ، ثم قام قائما ودعا باللواء والناس على مصافهم ودعا عليا عليه‌السلام وهو أرمد ، فتفل في عينه ودفع إليه اللواء وفتح له (٤).

ورواه البخاري في صحيحه في أواخر الجزء الثالث منه عن سلمة بن الاكوع

____________________

(١) في المصدر : وقد ذكر هاتين القصتين اه.

(٢) شرح النهج ٤ : ٤٦٢ ٤٦٤.

(٣) في المصدر : حضرنا.

(٤) في المصدر : وفتح الله له.

٧

ورواه أيضا البخاري في الجزء المذكور عن سهل ، ورواه أيضا البخاري في الجزء الرابع في رابع كراس من النسخة المنقول منها ، ورواه أيضا في الجزء الرابع في ثلثه الاخير من صحيحه في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ورواه البخاري في الجزء الخامس من صحيحه في رابع كراس من أوله من النسخة المنقولة منها. ورواه مسلم أيضا (١) في صحيحه في أواخر كراس من الجزء المذكور من النسخة المشار إليها.

فمن رواية البخاري ومسلم في صحيحهما من بعض طرقهما أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال في يوم الخيبر (٢) : « لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » قال : فبات الناس يدوكون (٣) ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما ، أصبح الناس غدوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كلهم يرجون (٤) أن يعطاها فقال : أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا : هو يارسول الله يشتكي عينيه ، قال : فارسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عينه ودعا له ، فبرئ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال علي عليه‌السلام : يارسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال : انفذ على رسلك (٥) حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الاسلام فأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لان يهدي بك رجلا واحدا خير لك من أن تكون لك حمر النعم.

ورووه في الجمع بين الصحاح الستة من جزء الثالث في غزوة خيبر في صحيح الترمذي ، ورواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند سهل بن سعد وفي مسند سعد بن أبي وقاص وفي مسند أبي هريرة وفي مسند سلمة بن الاكوع ورواه الفقيه

____________________

(١) في المصدر : ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في نصف الكراس الاول من النسخة المنقول منها ، ورواه مسلم أيضا اه.

(٢) في المصدر : قال يوم خيبر.

(٣) سيأتي معناه في البيان. وفي غير ( ك ) من النسخ وكذا المصدر : يذكرون.

(٤) في المصدر : كلهم يرجو.

(٥) أي على التمهل والتؤدة.

٨

الشافعي ابن المغازلي أيضا من طرق جماعة ، فمن روايات الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر إلى خيبر فلم يفتح له ، ثم بعث عمر فلم يفتح له ، فقال : لاعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، فدعا علي بن أبي طالب عليه‌السلام وهو أرمد العين ، فتفل في عينيه ففتح عينيه كأنه لم يرمد قط ، فقال : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك ، فخرج يهرول وأنا خلف أثره حتى ركز رايته (١) في أصلهم تحت الحصن ، فأطلع رجل يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت؟ قال : علي بن أبي طالب ، فالتفت إلى أصحابه فقال : غلبتم والذي أنزل التوراة على موسى ، قال : فما رجع حتى فتح الله عليه.

ورواه علماء التاريخ مثل محمد بن يحيى الازدي وابن جرير الطبري والواقدي ومحمد بن إسحاق وأبي بكر البيهقي في دلائل النبوة وأبي نعيم في كتاب حلية الاولياء والاشنهي في الاعتقاد عن عبدالله بن عمر وسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع وأبي سعيد الخدري وجابر الانصاري أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبا بكر برايته مع المهاجرين ، هي رايته البيضاء (٢) فعاد يؤنب قومه ويؤنبونه (٣) ، ثم بعث عمر من بعده فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه حتى ساء ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله (٤) كرارا غير فرار لايرجع حتى يفتح الله على يديه ، فأعطاها عليا ففتح على يديه (٥).

ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى : « ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا (٦) » وذلك في فتح خيبر قال : حاصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أهل خيبر حتى

____________________

(١) ركز الرمح ونحوه : غرزه وأثبته في الارض.

(٢) في المصدر : وهي راية بيضاء.

(٣) أنبه : عنفه ولامه.

(٤) في المصدر : يحب الله ورسوله ويحبه ( الله )؟ ورسوله.

(٥) في المصدر : حتى فتح الله على يده.

(٦) سورة الفتح : ٢ ٣.

٩

أصابتنا مخمصة شديدة ، وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس ، فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه ورجعوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يجبنه أصحابه ويجبنهم ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس ، فأخذ أبوبكر راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم نهض فقاتل ، ثم رجع فأخذها عمر فقاتل ، ثم رجع ، فأخبر بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أنا والله لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة ، وليس ثم علي ، فلما كان الغد تطاول إليها أبوبكر وعمر ورجال من قريش رجاء كل واحد منهم أن يكون هو صاحب ذلك فأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سلمة بن الاكوع إلى علي عليه‌السلام فجاءه على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري ، قال سلمة : فجئت به أقوده إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مالك؟ قال : رمدت ، قال : ادن مني ، فدنا منه فتفل في عينيه ، فما شكا وجعها بعد حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية فنهض بالراية. ثم ذكر الثعلبي صورة حال الحرب بين علي وبين مرحب ، وكان على رأس مرحب مغفر مصفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، ثم قال : فاختلفا ضربتين ، فبدره علي عليه‌السلام بضربة فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الاضراس ، وأخذ المدينة وكان الفتح على يده.

قال السيد : ورأيت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في الموضع الذي تقدمت الاشارة إليه وهو في أواخر كراس من الجزء الرابع زيادة وهي أن عمر بن الخطاب قال : ما أحببت الامارة إلا يومئذ ، فتشاوقت لها (١) رجاء أن أدعى لها ، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علي بن أبي طالب عليه‌السلام فأعطاه الراية (٢) وقال : امش ولاتلتفت حتى يفتح الله عليك ، قال : فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ : يا رسول الله على ماذا أقاتل؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا

____________________

(١) كذا في النسخ والمصدر ، وسيأتي في البيان توضيحه.

(٢) في المصدر : فأعطاه إياها.

١٠

رسول الله ، فإن فعلوا فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، انتهى كلام السيد (١).

أقول : وروى ابن الاثير في جامع الاصول من صحيح الترمذي عن البراء إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث إلى اليمن جيشين وأمر على أحدهما عليا وعلى الآخر خالدا ، فقال : إذا كان القتال فعلي ، قال : فافتح علي حصنا فأخذ منه جارية ، قال : فكتب معي خالد إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بخبره ، قال : فلما قدمت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقرأ الكتاب رأيته يتغير لونه ، فقال : ماترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؟ فقلت : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وإنما أنا رسول ، فسكت.

وروي أيضا من الترمذي عن بريدة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إن الله تبارك وتعالى أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم ، قيل : يارسول الله سمهم لنا ، قال : علي منهم يقول ذلك ثلاثا وأبوذر والمقداد وسلمان ، أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم.

وروى من صحيحي مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول يوم خيبر : لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، فتطاولنا (٢) فقال : أدعوا لي عليا ، فأتي به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه (٣).

وروى من الصحيحين عن سلمة بن الاكوع قال : كان علي عليه‌السلام قد تخلف عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في خيبر وكان رمدا ، فقال : أنا أتخلف عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فخرج علي فلحق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لاعطين ألراية أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله أو قال :

____________________

(١) الطرائف : ١٤ ١٦.

(٢) في تيسير الوصول : قال : فتطاول الناس لها.

(٣) أخرج هذه الرواية في تيسير الوصول ٣ : ٢٣٧.

١١

يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ، فإذا نحن بعلي ومانرجوه ، فقالوا : هذا علي ففتح الله عليه.

وروى أيضا من الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوم خيبر : لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : أين علي بن أبي طالب؟ فقيل : هو يارسول الله يشتكي عينيه ، قال : فأرسلوا إليه ، فأتي به فبصق في عينه ودعا له فبرئ حتى كان كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال علي عليه‌السلام : يارسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله عزوجل فيه ، فوالله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.

وروى من الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوم خيبر : لاعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ، قال عمر بن الخطاب : ما احببت الامارة إلا يومئذ ، قال : فتساورت لها ( رجاء )؟ أن أدعى لها ، قال : فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علي بن أبي طالب عليه‌السلام فأعطاه إياها وقال : امش ولاتلتفت حتى يفتح الله عليك ، قال : فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : على ماذا أقاتل الناس؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله (١).

وروى ابن شيرويه في الفردوس عن سهل بن سعد قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لايرجع حتى يفتح عليه يعني علي بن أبي طالب (٢).

[ بيان : قال في النهاية : في حديث خيبر : « لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه » ، فبات الناس يدوكون تلك الليلة

____________________

(١ و ٢) مخطوط.

١٢

أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه ، يقال : وقع الناس في دوكة ودوكة أي في خوض واختلاط (١). وقال : القطري : أي بالكسر ضرب من البرود فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة ، وقيل : هي حلل جياد تحمل من قبل البحرين.

وقال الازهري : في أعراض البحرين قرية يقال لها « قطر » وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها ، فكسر والقاف للنسبة وخففوا. (٢) وكأن المراد بالمصفر المذهب.

وفي القاموس : اشتاف : تطاول ونظر ، وتشوف إلى الخبر تطلع ، ومن السطح : تطاول ونظر وأشرف. (٣) وبالراء معناه قريب من ذلك ، والاظهر « فتساورت » قال في النهاية : في الحديث « فتساورت لها أي رفعت لها شخصي. (٤) والتطاول أيضا قريب منه أي كل منهم يمد عنقه ليراه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رجاء أن يعطاها. (٥) ]

٢ ـ مد : بالاسناد إلى عبدالله بن أحمد ، عن أبيه ، عن وكيع ، عن ابن ليلى ، (٦) عن المنهال بن عمرو ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : كان أبي يسمر مع علي عليه‌السلام وكان علي عليه‌السلام يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف ، فقيل له : لو سألته عن هذا فسأله عن هذا (٧) فقال : صدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث إلي وأنا أرمد يوم خيبر فقلت : يارسول الله إني أرمد ، فتفل في عيني وقال : « اللهم اذهب عنه الحر والقر » فما وجدت حرا ولا بردا ، قال : وقال : لابعثن رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ليس بفرار ، قال فتشوف لها الناس فبعث عليا عليه‌السلام (٨).

____________________

(١) النهاية ٢ : ٣٥.

(٢) النهاية ٣ : ٢٦٢.

(٣) القاموس المحيط ٣ : ١٦٠.

(٤) النهاية ٢ : ١٩١.

(٥) هذا البيان من مختصات ( ك ) فقط.

(٦) في المصدر : عن ابن ابي ليلى.

(٧) في المصدر : فسألته عن هذا.

(٨) العمدة : ٦٨.

١٣

أقول : روى ابن بطريق ما مر من الاخبار من مسند أحمد بن حنبل باثني عشر طريقا آخر عن أبي سعيد الخدري وسعيد بن المسيب وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد وأبي ليلى وسعد بن أبي وقاص ، ومن صحيح مسلم (١) بستة طرق عن سلمة بن الاكوع وسهل بن سعد ، ومن صحيح مسلم بستة طرق عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي هريرة وسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع ، ومن مناقب ابن المغازلي باثني عشر طريقا عن سلمة وأبي موسى الاشعري وعمران بن حصين وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وسعد وبريدة وعامر بن سعد ، ومن الجمع بين الصحاح الستة مما رواه من صحيح الترمذي بسندين عن سلمة وسعد ، ومن تفسير الثعلبي مثل مامر ، وساق الحديث إلى أن قال : ثم أعطاه الراية فنهض بالراية وعليه حلة أرجوانية حمراء قد أخرج كميها ، فأتى مدينة خيبر ، فخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر مصفر (٢) وحجر قد ثقبه مثل البيضة ووضعه على رأسه ، وهو يرتجز ويقول :

قد علمت خيبر أني مرحب

شاك السلاح بطل مجرب

أطعن أحيانا وحينا أضرب

إذالحروب أقبلت تلهب

كان حماي كالحمى لاتقرب

فبرز إليه علي صلوات الله عليه فقال :

أنا الذي سمتني أمي حيدرة

كليث غابات شديد القسورة

أكيلكم بالسيف كيل السندرة

فاختلفا ضربتين فبدره علي عليه‌السلام بضربة فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الاضراس ، وأخذ المدينة وكان الفتح على يديه ، ثم قال ابن بطريق :

قال أبومحمد عبدالله بن مسلم : سألت بعض آل أبي طالب عن قوله : « أنا الذي سمتني أمي حيدرة » فذكر أن أم علي عليه‌السلام كانت فاطمه بنت أسد ولدت عليا عليه‌السلام و

____________________

(١) كذا في النسخ ، والصحيح : ومن صحيح البخاري.

(٢) في المصدر « معصفر » أي المصبوغ بالعصفر ، وهو صبغ اصفر اللون.

١٤

أبوطالب غائب ، فسمته أسدا باسم أبيها : فلما قدم أبوطالب كره هذا الاسم الذي سمته به أمه وسماه عليا ، فلما رجز علي عليه‌السلام يوم خيبر ذكر الاسم الذي سمته أمه فقال ، « حيدرة » اسم من أسماء الاسد ، والسندرة شجرة يعمل منها القسي وفي الحديث يحتمل أن يكون مكيالا يتخذ من هذه الشجرة ، ويحتمل أن يكون السندرة أيضا امرأة تكيل كيلا وافيا (١).

أقول : قد مضت الاخبار المعتبرة في ذلك في أنواع ماظهر من إعجازه صلوات الله عليه في تلك الغزوة في باب قصة خيبر ، وإنما أوردنا ههنا قليلا من الاخبار من طرق المخالفين الزاما عليهم.

وروى السيد المرتضى في كتاب الشافي عن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) وآله أرسل عمر إلى خيبر فانهزم ومن معه ، فقدم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يجبن أصحابه ويجبنونه ، فبلغ ذلك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كل مبلغ ، فبات ليلته مهموما ، فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية فقال : « لاعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار » فتعرض لها جميع المهاجرين والانصار ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أين علي؟ فقالوا : يارسول الله هو أرمد ، فبعث إليه أبا ذر وسلمان فجاءا به يقاد لايقدر على فتح عينيه من الرمد ، فلما دنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تفل في عينيه وقال : « اللهم اذهب عنه الحر والبرد وانصره على عدوه فانه عبدك يحبك ويحب رسولك غير فرار » (٢) ثم دفع إليه الراية ، واستأذنه حسان بن ثابت أن يقول فيه شعرا فأذن (٣) فأنشأ يقول :

وكان علي أرمد العين يبتغي

دواء فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة

فبورك مرقيا وبورك راقيا

____________________

(١) العمدة : ٧٥. وتوجد روايات الباب في صلى‌الله‌عليه‌وآله ٦٨ ٧٩ من الكتاب المذكور.

(٢) في المصدر : كرار غير فرار.

(٣) في المصدر : قال قل.

١٥

وقال سأعطي الراية اليوم صارما

كميا محبا للرسول مواليا (١)

يحب إلهي والاله يحبه

به يفتح الله الحصون الاوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها

عليا وسماه الوزير المواخيا

ويقال : إن أمير المؤمنين عليه‌السلام لم يجد بعد ذلك أذي حر وبرد (٢).

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس هذا الخبر على وجه آخر قال : بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر إلى خيبر فرجع وقد انهزم وانهزم الناس معه ، ثم بعث من الغد عمر فرجع وقد جرح في رجليه وانهزم الناس معه ، فهو يجبن أصحابه و أصحابه يجبنونه! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله ويحبه الله ورسوله ، ليس بفرار ولا يرجع حتى يفتح الله عليه » وقال ابن عباس : فأصبحنا متشوقين نرائي وجوهنا رجاء أن يكون يدعى رجل منا ، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا عليه‌السلام وهو أرمد ، فتفل في عينيه ودفع إليه الراية ففتح بابه عليه (٣).

ثم قال السيد : فهذه الاخبار وجميع ما روي في هذه القصة وكيفية ماجرت عليه يدل على غاية التفضيل والتقديم ، لانه لو لم يفد القول إلا المحبة التي هي حاصلة في الجماعة وموجودة فيهم لما قصدوا لدفع الراية وتشوقوا إلى دعائهم إليها ، ولا غبط أمير المؤمنين بها ، ولا مدحته الشعراء ولا افتخرت له بذلك المقام ، وفي مجموع القصة وتفصيلها إذا تأملت مايكاد يضطر إلى غاية التفضيل و نهاية التقديم.

ثم ذكر عن بعض الاصحاب استدلالا وثيقا على أن ما ذكره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في شأنه بعد فرار أبي بكر وعمر وسخطه عليهما في ذلك يدل على أنهما لم يكونا متصفين بشئ من تلك الصفات ، وقال : إنهم لم يرجعوا في نفي الصفة عن غيره إلى مجرد

____________________

(١) الكمي : الشجاع.

(٢) في المصدر : ولابرد.

(٣) في المصدر : ففتح الله عليه.

١٦

إثباتها له ، وإنما استدلوا بكيفية ماجرى في الحال على ذلك لانه لايجوز أن يغضب من فرار من فر وينكره ثم يقول : إني أدفع الراية إلى من عنده كذا وكذا وذلك عند من تقدم ، ألا ترى أن بعض الملوك لو أرسل رسولا إلى غيره ففرط في أداء رسالته وحرفها ولم يوردها (١) على حقها فغضب لذلك وأنكر فعله وقال : « لارسلن رسولا حسن القيام بأداء رسالتي مضطلعا (٢) بها لكنا نعلم (٣) أن الذي أثبته منفي عن الاول؟ وقال : كما انتفي عمن تقدم فتح الحصن على أيديهم وعدم فرارهم كذلك يجب أن ينتفي سائر ما أثبت له ، لان الكل خرج مخرجا واحدا أورد على طريقة واحدة انتهى.

أقول : لايخفي متانة هذا الكلام على من راجع وجدانه وجانب تعسفه و عدوانه ، فيلزم منه عدم كون الشخصين محببين لله ولرسوله ومن لم يحبهما فقد ابغضهما ومن ابغضهما فقد كفر ، ويلزم منه ان لا يحبهما الله ورسوله ، ولا ريب في أن من كان مؤمنا صالحا يحبه الله ورسوله ، بل يكفي الايمان في ذلك وقد قال تعالى : « والذين آمنوا أشد حبا لله (٤) » وقال : « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (٥) » ويلزم منه أن لايقبل الله منهما شيئا من الطاعات لان الله تعالى يقول « إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا (٦) » « إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (٧) » فلو كان الله تعالى قبل منهما الجهاد لكان يحبهما ، ولو كان قبل منهما توبتهما عن الشرك لكان يحبهما ، ولو كانا متطهرين لكان يحبهما ويلزم أن لايكونا من الصابرين

____________________

(١) في المصدر : ولم يؤدها.

(٢) اضطلع تحملة : نهض به وقوى عليه.

(٣) جواب قوله : « ألا ترى ».

(٤) سورة البقرة : ١٦٥.

(٥) سورة آل عمران : ٣١.

(٦) سورة الصف : ٤.

(٧) سورة البقرة : ٢٢٢.

١٧

ولا من المتقين ولا من المتوكلين ولا من المحسنين ولا من المقسطين ، لان الله بين حبه لهم في آيات كثيرة ، وإن الله إنما نسب عدم حبه إلى الخائنين والظالمين والكافرين والفرحين والمستكبرين والمسرفين والمعتدين والمفسدين وكل كفار أثيم وكل مختال فخور وأمثالهم كما لايخفى على من تدبر في الآيات الكريمة ، ومن كان بهذه المثابة كيف يستحق الخلافة والامامة والتقدم على جميع الامه لاسيما خيرهم وأفضلهم علي بن أبي طالب عليه‌السلام؟ وأيضا يدل على أن قوله تعالى : « يحبهم ويحبونه » (١) نازل فيه صلوات الله عليه لافي أبي بكر كما زعمه إمامهم الرازي في تفسيره ، إذ لايجوز أن ينفي الرسول عنه ما أثبته الله له.

ومما ظهر من فضله صلوات الله عليه في ذلك اليوم مارواه الشيخ الطبرسي في كتاب إعلام الورى من كتاب المعرفة لابراهيم بن سعيد الثقفي ، عن الحسن بن الحسين العرني (٢) وكان صالحا عن كادح بن جعفر البجلي وكان من الابدال عن لهيعة (٣) ، عن عبدالرحمن بن زياد ، عن مسلم بن يسار ، عن جابر بن عبدالله الانصاري قال : لما قدم علي عليه‌السلام على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بفتح خيبر قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك اليوم قولا لاتمر بملا إلا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك يستشفون به ، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك ، وأنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنك تبرئ ذمتي وتقاتل على سنتي ، وأنك في الآخرة أقرب الناس مني ، وأنك غدا على الحوض خليفتي ، وأنك أول من يرد علي الحوض غدا ، وأنك أول من يكسى معي ، وأنك أول من يدخل الجنة من أمتي ، وأن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي أشفع لهم ويكونون في الجنة جيراني ، وأن حربك حربي ، وأن سلمك سلمي ، و

____________________

(١) سورة المائدة : ٥٤.

(٢) في المصدر : المغربي.

(٣) في المصدر : عن أبي لهيعة.

١٨

أن سرك سري ، وأن علانيتك علانيتي ، وأن سريرة صدرك كسريرة صدري ، و أن ولدك ولدي ، وأنك تنجز عداتي (١) ، وأن الحق معك وأن الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك ، وأن الايمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي ، وأنه لايرد على الحوض مبغض لك ولن يغيب عنه محب لك غدا حتى يرد والحوض معك » فخر علي عليه‌السلام ساجدا (٢) ثم قال : الحمد لله الذي من علي بالاسلام وعلمني القرآن وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين إحسانا منه إلي و فضلا منه علي ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ذلك : لولا أنت ياعلي لم يعرف المومنون بعدي (٣).

لى : الحافظ ، عن عبدالله بن يزيد ، عن محمد بن ثواب ، عن إسحاق بن منصور ، عن كادح البجلي ، عن عبدالله بن لهيعة مثله (٤).

٧٢

( باب )

* ( أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بسد الابواب الشارعة إلى ) *

* ( المسجد الا بابه صلوات الله عليه ) *

١ ـ لى : الحافظ ، عن أحمد بن موسى ، عن خلف بن سالم ، عن غندر ، عن عوف ، عن ميمون ، عن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبواب شارعة في المسجد فقال يوما : سدوا هذه الابواب إلا باب علي ، فتكلم في ذلك الناس ، قال : فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني أمرت بسد هذه الابواب غير باب علي عليه‌السلام فقال فيه قائلكم ، وإني والله ماسددت شيئا ولا

____________________

(١) ١ في المصدر : وأنك تؤدي عني وأنك منجز عدتي.

(٢) ١ في المصدر : فخر علي لله ساجدا.

(٣) إعلام الورى : ١٨٨ ١٨٩.

(٤) امالي الصدوق : ٥٩ ٦٠.

١٩

فتحته ولكني أمرت بشئ فاتبعته (١).

٢ ـ ن ، لى : بإسناد التميمي عن الرضا عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لايحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ومن كان من أهلي ، فإنهم مني.

٣ ـ ن ، لى : بهذا الاسناد قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : سدوا الابواب الشارعة في المسجد إلا باب علي (٢).

٤ ـ لى : أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري ، عن أحمد بن شعيب ، عن محمد بن وهب ، عن مسكين بن بكير ، عن شعبه عن أبي بلح ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي (٣).

٥ ـ لى : الدينوري ، عن محمد بن محمد بن سليمان ، عن محمد بن عمر [ عن عبدالله ابن جعفر ] عن عبدالله بن عمر ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن العلاء ، عن ابن عمر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : سدوا الابواب إلى المسجد إلا باب علي (٤).

٦ ـ لى ، ن : فيما بين الرضا عليه‌السلام من فضائل العترة الطاهرة قال : فأما الرابعة فإخراجه الناس من مسجده ماخلا العترة ، حتى تكلم الناس في ذلك و تكلم العباس فقال : يارسول الله تركت عليا وأخرجتنا؟ فقال رسول الله ص : ما أنا تركته وأخرجتكم ولكن الله تركه وأخرجكم. وفي هذا تبيان قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » قالت العلماء : وأين هذا من القرآن قال أبوالحسن : أوجدكم في ذلك قرآنا أقرأه عليكم؟ قالوا : هات ، قال : قول الله عزوجل : « وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا وأجعلوا

____________________

(١) أمالي الصدوق : ٢٠١.

(٢) عيون الاخبار : ٢٢١. امالي الصدوق : ٢٠١.

(٣) عيون الاخبار : ٢٢٥. امالي الصدوق : ٢٠١.

(٤) أمالي الصدوق : ٢٠١.

٢٠