🚘

دراسات موجزة في الخيارات والشروط

الشيخ جعفر السبحاني

دراسات موجزة في الخيارات والشروط

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : الفقه
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-7741-18-9
الصفحات: ٢٠٧
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢
٣

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تبارك وتعالى :

( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )

( التوبة : ١٢٢ )

٤
٥

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المكتب

الحمد للّه والصّلاة والسّلام على أنبياء اللّه ، لا سيّما رسوله الخاتم وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

أمّا بعد ، لا شكّ انّ إصلاح المناهج الدراسية المتداولة في الحوزات العلمية والمعاهد الدراسية في العصر الحاضر ـ الذي عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة ملحّة يقتضيها تطوّر العلوم وتكاملها عبر الزمان ، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة تتوافق مع الطموحات والحاجات الإنسانية المتجددة.

وهذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز ، فوضعوا نصب أعينهم إصلاح النظام التعليمي في قائمة الأولويات بعد أن باتت فاعليته رهن إجراء تغييرات جذرية على هيكلية هذا النظام.

ويبدو من خلال هذه الرؤية انّ إصلاح النظام الحوزوي ليس أمراً بعيد المنال ، إلا أنّه من دون إحداث تغيير في المناهج الحوزوية ستبوء كافة الدعوات الإصلاحية بالفشل الذريع ، وستموت في مهدها.

والمركز العالمي للدراسات الإسلامية ـ الذي يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاب الوافدين من مختلف بقاع الأرض للاغتراف من نمير علوم أهل

٦

البيت عليهم‌السلام ـ شرع في الخطوات اللازمة لإجراء تغييرات جذرية على المناهج الدراسية المتّبعة وفق الأساليب العلمية الحديثة بهدف عرض المواد التعليمية بنحو أفضل ، الأمر الذي لا تلبّيه الكتب الحوزوية السائدة ؛ ذلك انّها لم تؤلّف لهدف التدريس ، وإنّما أُلّفت لتعبّـر عن أفكار مؤلّفيها حيال موضوعات مرّ عليها حُقبة طويلة من الزمن وأصبحت جزءاً من الماضي.

و فضلاً عن ذلك فانّها تفتقد مزايا الكتب الدراسية التي يراعى فيها مستوى الطالب ومؤهّلاته الفكرية والعلمية ، وتسلسل الأفكار المودعة فيها وأداؤها ، واستعراض الآراء والنظريات الحديثة التي تعبّر عن المدى الذي وصلت إليه من عمق ، بلغة عصرية يتوخّى فيها السهولة والتيسير وتذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقة العبارات وعمق الأفكار بعيداً عن التعقيد الذي يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوى.

و انطلاقاً من توجيهات كبار العلماء والمصلحين وعلى رأسهم سماحة الإمام الراحل قدس‌سره ، وتلبية لنداء قائد الثورة الإسلامية آية اللّه الخامنئي ـ مدّ ظـله الوارف ـ قام هذا المركز بتخويل « مكتب مطالعة وتدوين المناهج الدراسية » مهمة تجديد الكتب الدراسية السائدة في الحوزات العلمية على أن يضع له خطة عمل لإعداد كتب دراسية تتوفّر فيها المزايا السالفة الذكر.

وقد بدت أمام المكتب المذكور ـ ولأوّل وهلة ـ عدّة خيارات :

١. اختصار الكتب الدراسية المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التي لها مساس بالواقع العملي.

٢. إيجازها وشحنها بآراء ونظريات حديثة.

٧

٣. تحديثها من رأس بلغة عصرية وإيداعها أفكار جديدة ، إلا أنّ العقبة الكأداء التي ظلّت تواجه هذا الخيار هي وقوع القطيعة التامة بين الماضي والحاضر ، بحيث تبدو الأفكار المطروحة في الكتب الحديثة وكأنّها تعيش في غربة عن التراث ، وللحيلولة دون ذلك ، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة في قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسية القديمة كمتون وشرحها بأُسلوب عصري يجمع بين القديم الغابر والجديد المحدث.

وبناء على ذلك راح المكتب يشمّر عن ساعد الجدّ ويستعين بمجموعة من الأساتذة المتخصّصين لوضع كتب وكراسات في المواد الدراسية المختلفة ، من فقه وأُصول وتفسير ورجال وحديث وأدب وغيرها.

و كانت مادة الفقه ( قسم الخيارات ) بحاجة ماسّة إلى وضع كتاب جديد فيها يتناسب مع تطلّعات المركز ، فطلبنا من العلاّمة الفقيه ، سماحة آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني ـ مدّ ظله ـ تدوين دروس موجزة في الخيارات والشروط ، فلبّى رغبتنا مشكوراً وتفضّل بتدوين هذا الكتاب الذي يحتوي على أهمّ المطالب الفقهية في الخيارات والشروط ، ببيان جزل وأُسلوب سهل ، بعيداً عن التعقيد والغموض ، لا يجد الطالب عسراً في استيعابها وفهمها.

وفي الختام لا يفوتنا إلا أن نتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الوافر لأُستاذنا المؤلِّف على ما بذله من جهود في هذا الصعيد ، ونبتهل إلى اللّه سبحانه أن يديم عطاءه العلمي.

المركز العالمي للدراسات الإسلامية

٨
٩

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين ، والصّلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأفضل سفرائه وأمينه على وحيه ، وعلى آله الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه ، وحجج اللّه في أرضه.

أمّا بعد ، فهذه دروس موجزة في الخيارات والشروط وأحكامهما ، مصحوبة بالاستدلال ، بعيدة عن التعقيد والغموض والإطناب المملّ ، متعرّضة لأهمّ المسائل وألزمها ، معرضة عمّا يقلّ الابتلاء بها.

وقبل الخوض في المقصود نرى من اللازم الإشارة إلى نكتة هامة وهي انّ الفقهاء قسّموا الفقه إلى أقسام أربعة :

١. العبادات ، ٢. العقود ، ٣. الإيقاعات ، ٤. الأحكام والسياسات.

ويشترك جميعها في لزوم استنباط أحكامها من الكتاب والسنّة والتحلّي بالمبادئ التي يتوقف عليها الاجتهاد ، غير انّ هناك فرقاً رئيسياً بين العبادات والمعاملات ( العقود والإيقاعات ) وهو انّ العبادات المحضة (١) أُمور توقيفية نزل بها الوحي من دون أن يكون للعرف والعقلاء أيّ مدخليّة فيها ، بل يجب على الفقيه الانكباب على الكتاب والسنّة.

وهذا بخلاف المعاملات ، فانّها أُمور عرفية عقلائية أجرى الشارع عليها التعديل ، فأمضى ما يُصبّ في صالح الفرد والمجتمع وردع عن غيره ، الأمر الذي يفسّره

__________________

١. قيد احترازي عن الزكاة والخمس ونحوهما فانّها قربيات لا عبادات.

١٠

لنا قلة النصوص الشرعية في باب المعاملات.

وعلى ضوء ذلك فالعبادات بما أنّها أُمور توقيفية ، ولم يخوّل أمرها إلى الإنسان ، وليس له فيها أيّ صنع ، لا محيص للفقيه في استنباط أحكامها عن السير وراء النصوص ، وعدم الخروج عنها قيد شعرة ، والإفتاء حسب شمول النصوص للمورد وعدم شموله ، والإمعان في لسان الدليل وملاحظة مقدار سعته وضيقه.

وأمّا المعاملات فبما أنّها أُمور عقلائية ـ ابتكرها العقلاء طيلة حياتهم الاجتماعية ـ فهي أُمور عرفية قبل أن تكون شرعية ، فلا محيص للفقيه وراء مطالعة الدروس عن الإمعان في الارتكازات العرفية ، وما هو المعتبر عند العرف ، وما ليس كذلك.

وقد أوضحنا في محاضراتنا أنّ صحّة المعاملة رهن دعامتين :

الأُولى : كون المعاملة عرفية عقلائية ، تدور عليها رحى معاشهم وحياتهم الاجتماعية.

الثانية : عدم ورود نهي من الشارع عنها على نحو العموم أو الخصوص.

وإحراز كلا الأمرين كاف في الحكم بصحّة المعاملة ، ودخولها تحت العمومات ، من غير حاجة إلى إخراج النفس وإتعابها ، وإدخال المعاملات المستحدثة تحت العناوين الموجودة في الكتب الفقهية ، فعقد التأمين ، والشركات المستحدثة ، وبيع الامتياز ونظائرها داخلة تحت تلك الضابطة ، والتفصيل موكول إلى محلّه.

وفي الختام نرجو من اللّه سبحانه أن يحفظنا من الزلل في التفكير والعمل ، كما نرجو منه سبحانه أن ينتفع بهذا الكتاب روّاد العلم وطلاّب الفضيلة.

المؤلف

١١

الكتاب يشتمل على المباحث التالية :

تمهيد : انّ الأصل في العقود اللزوم

المقصد الأوّل : الخيارات العامة

المقصد الثاني : الخيارات الخاصة بالبيع

المقصد الثالث : أقسام الشرط

المقصد الرابع : شروط صحة الشرط

المقصد الخامس : أحكام الشروط

المقصد السادس : أحكام الخيار

١٢
١٣

تمهيد

الأصل في العقود اللزوم

الخيار لغةً واصطلاحاً

الخيار اسم مصدر من الاختيار ، نصّ به لفيف من علماء اللغة.

قال ابن منظور : الخيار خلاف الاشرار. والخيار الاسم من الاختيار. (١)

وتبعه الزبيدي في شرح القاموس. (٢)

ولكن الظاهر من الفيّومي في مصباحه انّه مصدر حيث قال : الخيار هو الاختيار. (٣)

ونقل الطريحي كلا القولين من غير ترجيح وقال : الخيار هو الاختيار ، ويقال : اسم من تخيرت الشيء مثل الطيرة اسم من تطيّر. (٤)

وعلى كلّ تقدير إذ كان الخيار من الاختيار وهو بمعنى الاصطفاء ، قال سبحانه : ( وَاختارَ مُوسى قَومَهُ سَبعينَ رَجُلاً ) (٥) ، وقال سبحانه : ( وَأَنا اخْتَرتُكَ لِما يُوحى ) (٦) ، فيكون الخيار أيضاً بمعنى الاصطفاء والانتخاب.

__________________

١. لسان العرب : ٤ ، مادة « خير » فيه وسائر المصادر.

٢. تاج العروس : ١١.

٣. المصباح المنير : ١.

٤. مجمع البحرين : ٣.

٥. الأعراف : ١٥٥.

٦. طه : ١٣.

١٤

وأمّا في الاصطلاح فقد عُرِّف بتعاريف عديدة ، نقتصر منها على تعريفين : فالأوّل منهما للمحقّقين من القدماء ، والثاني للشيخ الأنصاري :

١. الخيار ملك إقرار العقد وإزالته.

٢. الخيار هو ملك فسخ العقد (١) ، وهو المنقول أيضاً عن فخر المحقّقين ، ولعلّ الأوّل هو الأوفق لما في الروايات ، كما في قوله عليه‌السلام : « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا » (٢) ، أي له السلطنة على انتخاب أحد الطرفين إلى أن يفترقا ، وفي رواية الحلبي : « فإذا افترقا وجب البيع ». (٣)

وعلى هذا فالخيار لغة غيره اصطلاحاً ، لأنّه في اللغة بمعنى الاصطفاء والترجيح فيلازم صدور الترجيح من ذي الخيار ، بخلافه في الاصطلاح فهوعبارة عن حقّ الاصطفاء وحقّ الترجيح وإن لم يُعْمِل حقّه ، ولم يُرجح شيئاً.

الأصل في العقود اللزوم

وقبل الخوض في بيان أقسام الخيار وأحكامها نشير إلى ضابطة في العقود ، وهي :

ذهب الأعلام (٤) إلى أنّ الأصل في العقود هو اللزوم ، يقول الشهيد : الأصل في البيع اللزوم ، وكذا في سائر العقود ويُخرج عن الأصل في مواضع لعلل خارجة. (٥)

__________________

١. والفرق بين التعريفين ، انّ الأوّل يركز على مالكية ذي الخيار للاقرار والفسخ ، والثاني يركز على مالكية ذي الخيار لخصوص الازالة.

٢. الوسائل : ١٢ ، الباب ١ من أبواب الخيار ، الحديث ٣ و٤.

٣. الوسائل : ١٢ ، الباب ١ من أبواب الخيار ، الحديث ٣ و٤.

٤. التذكرة : ١٠/٥ ؛ ايضاح الفوائد في شرح القواعد : ١/٤٨٠.

٥. القواعد والفوائد : ٢/٢٤٢.

١٥

ويظهر من « مفتاح الكرامة » في كتاب المزارعة انّه إجماعي حيث قال بعد قول العلاّمة « وهوعقد لازم من الطرفين » ما هذا نصّه : « إجماعاً كما في جامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان ... وكأنّه إجماع ، لأنّ الأصل في العقد اللزوم إلا ما أخرجه الدليل ». (١)

فلو ثبتت الضابطة المذكورة فتكون هي المرجع فيما شكّ في لزوم العقد وجوازه ، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

أمّا الأُولى فكما إذا شكّ في لزوم الجعالة أو المضاربة ، فالأصل هو اللزوم. اللّهمّ إلا أن يدلّ دليل على الجواز.

أمّا الثانية فكما إذا اختلف المتداعيان في عقد ، فادّعى أحدهما انّه كان صلحاً والآخر انّه كان وديعة أوعارية ، فالأصل هو اللزوم ، فعلى من يدّعي خلافه ، البيّنة.

إذا عرفت ذلك فالكلام يقع في توضيح الأصل ، وما هو المراد منه؟ فنقول : هنا وجوه :

الأوّل : المراد من الأصل هو الغلبة وانّ الغالب على العقود هو اللزوم.

لكنّه ممنوع صغرى ، إذ ليست قلّة العقود الجائزة على حدّ يوجب انصراف الدليل عنها ، كما أنّه ممنوع كبرى ، إذ لا دليل على حجّية الغلبة لأنّها لا تفيد إلا ظنّاً ، والأصل في الظنون عدم الحجّية إلا إذا قام الدليل على حجّيتها.

الثاني : الاستصحاب بمعنى انّه إذا قام أحد المتعاقدين بفسخ العقد وشككنا في تأثيره وعدمه ، فالأصل هو بقاء أصل العقد أو أثره بعد الفسخ.

وذلك لأنّ العقد أو الإيقاع إذا تحقّق يوجب ترتّب أثر شرعي عليه ، من

__________________

١. مفتاح الكرامة : ٧/٣٠٠.

١٦

حصول ملك ـ كما في البيع ـ ، أو منفعة ـ كما في الإجارة والعارية ـ أو انتفاع ـ كما في التحليل ـ ، فإذا شكّ في اللزوم والجواز فمرجعه إلى الشكّ في أنّه لو فسخ هذا السبب ، هل يبطل ذلك المسبب ، الثابت أو لا بل هو باق على حاله؟ ولا شكّ انّ قضية الاستصحاب عدم زوال الأثر من ملك أو نحوه إلا بمزيل شرعي وهو معنى اللزوم ، فالأصل يقتضي بقاء الأثر إلا أن يثبت دليل قطعي على رفعه. (١)

الثالث : انّ حكم الفقهاء بانّ الأصل في العقود اللزوم مأخوذ من مفهوم العقد ومعناه اللغوي ، فانّ العقد هو العهد أو العهد المشدّد ، وهو كناية عن لزوم الوفاء وعدم قبوله للانثلام كالبيعة فهي عهد مشدد بين المبايع والمبايع له على وجه يثق الإنسان بعدم نقضها والوفاء بمضمونها.

وعلى ضوء ذلك ، فعقد البيع والنكاح والضمان والوقف من مقولة العقد المشدّد الّذي طبعها اللزوم والاستحكام.

ويؤيد ذلك انّ الغاية المنشودة من العقود غالباً لا تحصل إلا بلزومها ، مثلاً : انّ الغاية من البيع تمكّن كلّ من المتعاقدين من التصرّف فيما صار إليه ، وإنّما يتمّ ذلك باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه. (٢)

واستعمالها في العقود الجائزة من باب الاستعارة.

وعلى ذلك تجب دراسة حال كلّ عقد بخصوصه وانّ الغاية المطلوبة منه هل تحصل مطلقاً أو تحصل في صورة اللزوم فقط؟! فيحكم عليه باللزوم ، ولا يمكن الحكم على عامّة العقود مرّة واحدة بل لابدّ من ملاحظة كلّ برأسه.

ولعلّ ذلك أوضح الطرق ، مثلاً نقول : إنّ لكلّ عقد في نظر العقلاء طبعاً

____________

١. العناوين : الجزء ٢ ، العنوان ٢٩.

٢. التذكرة : ١٠/٥.

١٧

خاصاً. فطبيعة العارية خصوصاً فيما إذا لم تحدد بوقت ، هي الجواز ، لأنّ المعير لم يقطع علاقته بماله وإنّما دفعه إلى المستعير ليقضي به حاجته ثمّ يردّها إلى صاحبها.

بخلاف طبيعة الوقف ، فإنّها عبارة عن قطع المالك علقتَه عن الموقوف وإدخاله في سلطة الموقوف عليهم.

ومثله البيع ، فإنّ غرض كلّ من المتعاقدين هو التصرّف فيما صار إليه تصرّفاً مأموناً من نقض صاحبه عليه.

وبعبارة أُخرى : انّ كلاً من البائع والمشتري إنّما يقدم على البيع لأن يقضي به حاجته التي لا تقضى إلا أن يكون كلّ مالكاً للثمن أو المثمن على وجه تنقطع به سلطنة البائع أو المشتري ، فالمشتري يريد أن يشتري بيتاً ويسكن فيه وتحصل له الطمأنينة من أزمة المسكن بحيث لا يكون للبائع سلطة الفسخ أو يريد أن يجعله صداقاً لزوجته أو غير ذلك من الأُمور التي تقتضي بطبعها كون البيع عقداً لازماً.

ومنه تظهر الحال في النكاح والضمان ، فإنّ الأغراض الداعية إلى إنشائهما لا تحصل إلا باللزوم.

نعم ، الأصل بهذا المعنى ( الثالث ) لا يفيد إلا في الشبهات الحكمية كالشكّ في لزوم الجعالة وعدمه ، لا في الشبهات الموضوعية التي ربّما يتردّد العقد بين عقدين : أحدها لازم كالصلح والآخر جائز كالوديعة ، فلا يجري فيها ذلك الأصل ، بل لابدّ فيها من الرجوع إلى قواعد أُخرى.

وبالجملة دراسة طبائع العقود وخصائصها ونتائجها عند العرف كاف في الحكم عليه باللزوم مطلقاً أو الجواز كذلك.

الرابع : مقتضى الأدلّة الاجتهادية من العمومات والإطلاقات ، وهذا هو

١٨

الظاهر من الشيخ الأنصاري في كتابي البيع والخيارات (١) حيث استدلّ على القاعدة بالآيات والروايات وأثبت بها أنّ الأصل في العقود والبيع خصوصاً هو اللزوم ، نقتصر ممّا ذكره من الأدلة الاجتهادية بدليلين : أحدهما يثبت كون الأصل في مطلق العقود اللزوم ، والآخر يثبت كونه في خصوص البيع اللزوم.

الدليل الأوّل : آية الوفاء بالعقود

قال سبحانه : ( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَوفُوا بالعُقُودِ أُحلّت لَكُمْ بَهيمَةُ الأَنعام ). (٢)

وجه الدلالة : انّ المراد بوجوب الوفاء ، العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب الدلالة اللفظية ، مثلاً دلّت الآية المباركة على أنّ كلّ عقد يجب الوفاء به ، والمراد بالوفاء به ، العمل بمقتضاه ، ومقتضى العقد إمّا تمليك أو نحوه ، ومقتضى لزوم الوفاء ، البقاء على هذا الأثر ، وإبقاؤه وجوباً فلا رخصة في إبطاله ، وهذا هو المقصود من اللزوم. (٣)

فإن قلت : تدلّ الآية على أنّه يجب العمل على وفق العقد ، فلو كان العقد لازماً يجب العمل على وفقه ، وإن كان جائزاً فكذلك ، وهذا مثل ما يقال : يجب العمل بالأحكام الشرعية التي تشمل الواجب والمستحب والمباح ، وبالجملة : المراد لزوم العمل بمقتضاه إن جائزاً فجائز وإن لازماً فلازم ، وعندئذ لا تدلّ الآية على ما هو المطلوب من أنّ الأصل في العقود اللزوم.

قلت : قد أجاب الشيخ الأعظم عن الإشكال ما هذا خلاصته : اللزوم

__________________

١. المتاجر ، قسم البيع; ص ٨٥ ، والخيارات ، ص ٢١٤ ـ ٢١٥.

٢. المائدة : ١.

٣. العناوين : الجزء ٢ ، العنوان ٣٩.

١٩

والجواز من الأحكام الشرعية للعقد وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع ، فالذي يجب الوفاء به ، ما هو مقتضاه حسب الدلالة اللفظية ، وما يدلّ عليه العقد بهذه الدلالة ـ من البيع مثلاً ـ هو مالكية المشتري للمثمن فيجب الوفاء بها والاحترام لها ، وأمّا الوجوب والجواز ، فخارجان عن مفاد العقد ، فيخرج عن إطار وجوب الوفاء طبعاً. (١)

الدليل الثاني : آية حلية البيع

قال سبحانه : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّكَما يَقُوم الَّذى يتخبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسّ ذلك بأَنّهمْ قالُوا إِنّما البيعُ مِثْل الرِّبا وَأحلّ اللّهُ البيعَ وحَرّمَ الرّبا ). (٢)

استدلّ الشيخ الأعظم بالآية المباركة بأنّ الأصل في البيع اللزوم قائلاً بأنّ حلّية البيع ـ التي لا يرادب ها إلا حلّية جميع التصرّفات المترتبة عليه التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر ـ مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثر. (٣)

انقسام الخيار إلى قسمين

ثمّ إنّ الخيار على قسمين :

١. ما لايختصّ بالبيع ويعمّ سائر العقود.

__________________

١. المتاجر ، قسم الخيارات ، ص ٢١٥.

٢. البقرة : ٢٧٥.

٣. المتاجر ، كتاب الخيارات ، ص ٢١٥.

٢٠