بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٠٣
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢   الجزء ٥٣   الجزء ٥٤   الجزء ٥٥   الجزء ٥٦   الجزء ٥٧   الجزء ٥٨   الجزء ٥٩   الجزء ٦٠   الجزء ٦١   الجزء ٦٢   الجزء ٦٣   الجزء ٦٤   الجزء ٦٥   الجزء ٦٦   الجزء ٦٧   الجزء ٦٨   الجزء ٦٩   الجزء ٧٠   الجزء ٧١   الجزء ٧٢   الجزء ٧٣   الجزء ٧٤   الجزء ٧٥   الجزء ٧٦   الجزء ٧٧   الجزء ٧٨   الجزء ٧٩   الجزء ٨٠   الجزء ٨١   الجزء ٨٢   الجزء ٨٣   الجزء ٨٤   الجزء ٨٥   الجزء ٨٦   الجزء ٨٧   الجزء ٨٨   الجزء ٨٩   الجزء ٩٠   الجزء ٩١   الجزء ٩٢   الجزء ٩٣   الجزء ٩٤   الجزء ٩٥   الجزء ٩٦   الجزء ٩٧   الجزء ٩٨   الجزء ٩٩   الجزء ١٠٠   الجزء ١٠١   الجزء ١٠٢   الجزء ١٠٣   الجزء ١٠٤
  نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

١١

باب

*(ذكر جمل غزواته وأحواله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد غزوة)*

*(بدر الكبرى إلى غزوة احد)*

الآيات : الحشر « ٥٩ » : كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ١٥.

تفسير : قال الطبرسي رحمه‌الله : أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم ، و بقول المنافقين « كمثل الذين من قبلهم » يعني المشركين الذين قتلوا ببدر ، وذلك قبل غزاة بني النضير بستة أشهر عن الزهري وغيره ، وقيل : إن الذين من قبلهم قريبا هم بنو قينقاع عن ابن عباس ، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من بدر ، فأمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يخرجوا ، وقال عبدالله بن أبى : لا تخرجوا فإني آتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فأكلمه فيكم ، أو أدخل معكم الحصن ، فكان هؤلآء أيضا في إرسال عبدالله بن أبي إليهم ثم تركه نصرتهم كأولئك(١) « ذاقوا وبال أمرهم » أي عقوبة كفرهم « ولهم عذاب أليم » في الآخرة(٢).

___________________

(١) في المصدر : ثم ترك نصرتهم كاولئك.

(٢) مجمع البيان ٩ : ٢٦٤.

١

١ ـ قب ، عم : لما رجع(١) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه ، يريد بني سليم ، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له : الكدر ، فأقام عليه ثلاث ليال ، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق كيدا(٢) ، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة ، وفادى في إقامته جل أسارى بدر من قريش.

ثم كانت غزوة السويق(٣) ، وذلك أن أبا سفيان نذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله فخرج في مائة(٤) راكب من قريش ليبر يمينه حتى إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلا ، فضرب على حي بن أخطب بابه فأبى أن يفتح له ، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم ، وكان سيد بني النضير ، فاستأذن عليه فأذن له وساره(٥) ، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه ، وبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية يقال لها : العريض فوجدوا رجلا من الانصار(٦) وحليفا له فقتلوهما ، ثم انصرفوا ، ونذر(٧) بهم الناس ، فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ورجع وقد فاته أبوسفيان ، ورأوا زادا من أزواد القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاء(٨).

___________________

(١) الفاظ الحديث لاعلام الورى ، واما المناقب ففيه اختلافات يطول ذكرها فنقتصر بذكر ما يهم.

(٢) يقال له غزوة بنى سليم.

(٣) في المناقب : وفي ذى الحجة غزا غزوة السويق وهو بدر الصغرى : ماء لكنانة ، و كان موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية ايام وقيل : غزوة السويق ، لان أبا سفيان كان نذر.

(٤) في السيرة والامتاع : في مائتى راكب. وزاد في الثانى : وقيل : في اربعين راكبا.

(٥) ساره : أى كلمه بسر. وفي السيرة : فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس.

(٦) في الامتاع : وهذا الانصارى هو معبد بن عمرو وفيه : ان القاتل أبوسفيان نفسه ، وفيه : وحرق بيتين بالعريض وحرق حرثا لهم.

(٧) أى علموا واستعدوا لهم.

(٨) في المصدر : للنجاة. وفي السيرة : للنجاء.

٢

( وكان فيها السويق فسميت غزوة السويق ، ووافقوا السوق وكانت لهم تجارات(١) ) فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بهم : يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنطمع بأن تكون(٢) لنا غزوة؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم.

ثم كانت غزوة ذي أمر بعد مقامه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم مرجعه من غزوة السويق(٣) ، وذلك لما بلغه أن جمعا من غطفان قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة ، عليهم رجل يقال له : دعثور بن الحارث بن محارب ، فخرج في أربعمائة رجل وخمسين رجلا ومعهم أفراس وهرب منه الاعراب فوق ذرى الجبال ، ونزل صلى الله وعليه وآله ذا أمر وعسكر به ، وأصابهم مطر كثير ، فذهب رسول الله (ص) لحاجة فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه ، وقد جعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وادي أمر بينه وبين أصحابه ، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها ، و الاعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت الاعراب لدعثور و كان سيدهم وأشجعهم : قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله فاختار سيفا من سيوفهم صارما ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس رسول الله (ص) بالسيف مشهورا ، فقال : يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ قال : الله ، ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده ، فأخذه رسول ـ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقام على رأسه فقال : من يمنعك مني؟ قال : لا أحد ، وأنا أشهد أن لا

___________________

(١) لم نجد في المصدر ما وضعناه بين الهلالين بل هو موجود في المناقب ، والظاهر ان المصنف أدخل حديث المناقب في حديث اعلام الورى ، والموجود في المناقب : فخشى أبوسفيان منه فالقى ما معه من الزاد والسويق ، فسميت اه.

(٢) في المصدر : أن تكون. وفي السيرة : أتطمع لنا أن تكون غزوة؟

(٣) في المناقب : سنة ثلاث في صفر غزوة غطفان. وقال ابن هشام في السيرة : فلما رجع صلى‌الله‌عليه‌وآله من غزوة السويق اقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها ، ثم غزا نجدا يريد غطفان وهى غزوه ذى أمر : وأقام بنجد صفرا كله او قريبا من ذلك ورجع إلى المدينة. وذكر المقريزى في الامتاع : ١١٠ انه خرج في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الاول على رأس خمسة وعشرين شهرا في قول الواقدى انتهى. أقول : ذو امر : من ناحية الخيل بنجد من ديار غطفان.

٣

إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا ، فأعطاه رسول الله صلى الله وعليه وآله سيفه ، ثم أدبر ، ثم أقبل بوجهه ، ثم قال : والله لانت خير مني ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا أحق بذلك(١) ، فأتى قومه ، فقيل له : أينما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك؟ قال : قد كان والله ذلك ، ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري ، فعرفت أنه ملك ، وشهدت أن محمدا رسول الله ، والله لا أكثر عليه ، وجعل يدعو قومه إلى الاسلام ونزلت هذه الآية : « يا أيها الذين(٢) آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم » الآية(٣).

ثم كانت غزوة(٤) القردة(٥) : ماء من مياه نجد بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر(٦) فأصابوا عير القريش على القردة فيها أبوسفيان ومعه فضة كثيرة ، وذلك لان قريشا(٧) قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ، فسلكوا طريق العراق ، واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له : فرات بن حيان يدلهم على الطريق ، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير وأعجزته الرجال هربا.

وفي رواية الواقدي : أن ذلك العير مع صفوان بن أمية(٨) ، وأنهم قدموا

___________________

(١) منك خ ل.

(٢) المائدة : ١١.

(٣) في الامتاع : وعاد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة فكانت غيبته احد عشرة ليلة.

(٤) أراد سرية زيد بن حارثة. والمتداول في السير التعبير بالغزوة في حروب حضرها النبى صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه ، وبالسرية فيما كان لم يحضر.

(٥) والقردة : من ارض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق.

(٦) في الامتاع : سار [ أى زيد ] لهلال جمادى الاخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا.

(٧) في المصدر : وذلك ان قريشا.

(٨) اختار الاول ابن إسحاق على ما في سيرة ابن هشام ٢ : ٤٢٩ ، واختار الثانى المقريزى في الامتاع : ١١٢ وقال في شرح ذلك : نكب صفوان بن امية عن الطريق ، وسلك على جهة العراق

٤

بالعير إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسروا رجلا أو رجلين ، وكان فرات بن حيان أسيرا فأسلم فترك من القتل.

ثم كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال(١) على رأس عشرين شهرا من الهجرة ، وذلك أن رسول الله جمعهم وإياه سوق بني قينقاع ، فقال لليهود : احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من قوارع الله فأسلموا فانكم قد عرفتم نعتي وصفتي في كتابكم ، فقالوا : يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قومك فأصبت منهم ، فإنا والله لو حاربناك لعلمت أنا خلافهم ، فكادت تقع بينهم المناجزة(٢) ، ونزلت فيهم « قد كان لكم آية في فئتين التقتا » إلى قوله : « أولي الابصار(٣) ».

وروي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حاصرهم ستة أيام(٤) حتى نزلوا على حكمه ،

___________________

يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش ، خوفا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يعترضها ، فقدم نعيم بن مسعود الاشجعى على كنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير فشرب معه ، ومعهم سليط ابن النعمان يشرب ، ولم تكن الخمر حرمت ، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الاموال ، فخرج سليط من ساعته واخبر النبى صلى الله وعليه وآله ، فارسل زيد بن الحارثة في مائة راكب فأصابوا العير واقلت اعيان القوم فقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فبلغ الخمس عشرين الف درهم ، وقسم ما بقى على أهل السرية.

(١) زاد في الامتاع : وقيل في صفر سنة ثلاث ، وجعلها محمد بن اسحاق بعد غزوة قرارة الكدر انتهى. أقول : ظاهر ابن هشام في السيرة انها بعد غزوه فرع من بحران.

(٢) في المصدرين : المشاجرة. وذكره ابن هشام والمقريزى في السيرة والامتاع باختلاف في الفاظه ، وزادا : [ واللفظ من الثانى ] فبيناهم على ما هم عليه من اظهار العداوة ونبذ العهد جاءت امرأة رجل من الانصار إلى سوق بنى قينقاع فجلست عند صائغ في حلى لها [ في السيرة : فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت : فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ] فجاء أحد بنى قينقاع فحل درعها من وارئها بشوكة ولا تشعر ، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا بها فأتبعه رجل من المسلمين فقتله [ في السيرة فقتل الصائغ وكان يهوديا ] فاجتمع عليه بنو قينقاع وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبى صلى‌الله‌عليه‌وآله وحاربوا وتحصنوا في حصنهم ، فأنزل الله تعالى « وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين ».

(٣) آل عمران : ١٣ والصحيح : لاولى الابصار.

(٤) في الامتاع : فحاصرهم خمس عشرة ليلة.

٥

فقام عبدالله بن أبي فقال يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله موالي وحلفائي وقد منعوني من الاسود والاحمر ثلاثمائة دارع. وأربعمائة حاسر(١) ، تحصدهم في غداة واحدة؟ اني والله لا آمن وأخشى الدوائر ، وكانوا حلفاء الخزرج دون الاوس ، فلم يزل يطلب فيهم حتى وهبهم له ، فلما رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة و نزلوا أذرعات(٢) ، ونزلت في عبدالله بن أبي وناس من بني الخزرج : « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء » إلى قوله(٣) : « في أنفسهم نادمين »(٤).

٢ ـ فس : « قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد(٥) » فإنها نزلت بعد بدر ، لما رجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من بدر أتى بني قينقاع وهم بناديهم(٦). وكان بها سوق يسمى سوق النبط ، فأتاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : « يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم أكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم ، فادخلوا في الاسلام » فقالوا : يا محمد إنك تحسب حربنا مثل حرب قومك؟ والله لو قد لقيتنا للقيت رجالا ، فنزل عليه جبرئيل فقال : يا محمد « قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا » يعني فئة المسلمين ، وفئة الكفار ، إنها عبرة لكم وإنه تهديد لليهود « فئة تقاتل في سبيل الله

___________________

(١) الحاسر : الذى لا درع له.

(٢) في الامتاع : وأمرهم صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجلوا من المدينة ، فاجلاهم محمد بن مسلمة الانصارى ، وقيل : عبادة بن الصامت ، وقبض اموالهم ، واخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من سلاحهم ثلاث قسى ، وهى الكتوم والروحاء والبيضاء ، واخذ درعين : الصغدية وفضة ، وثلاثة اسياف ، وثلاثة ارماح ، ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة ، وخمس ما اصاب منهم وقسم ما بقى على اصحابه ، فلحقوا باذرعات بنسائهم وذراريهم ، فلم يلبثوا الا قليلا حتى هلكوا.

(٣) المائدة : ٥١ و ٥٢.

(٤) اعلام الورى : ٥٠ ـ ٥٢ ط ١ : و ٨٧ ـ ٩٠ ط ٢ مناقب آل أبى طالب ١ : ١٦٤ و ١٦٥.

(٥) آل عمران : ١٢.

(٦) النادى : مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه.

٦

وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين » أي كانوا مثلي المسلمين « والله يؤيد بنصره من يشاء » يعني رسول الله يوم بدر «(١) إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار(٢) ».

٣ ـ أقول : قال في المنتقى في وقائع السنة الثانية من الهجرة : وفي هذه السنة كانت سرية عمير بن عدي بن خرشة إلى عصماء بنت مروان اليهودي لخمس ليال مضين من شهر رمضان(٣) ، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة ، وكانت عصماء تعيب المسلمين وتؤذي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتقول الشعر ، فجاء عمير حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها أيتام ، منهم من ترضعه في صدرها ، فنحى الصبي عنها ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها ، وصلى الصبح(٤) مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ، فقال له رسول الله (ص) : أقتلت ابنة مروان؟ قال : نعم ، قال : « لا ينتطح فيها عنزان » وكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وفي هذه السنة كانت غزوة بني قينقاع.

أقول : وساق القصة نحو ما مر إلا أنه قال : حاصرهم خمس عشرة ليلة ، قال : ثم أمر بإجلائهم وغنم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والمسلمون ما كان لهم من مال ، وكان أول خمس خمس في الاسلام بعد بدر(٥).

٤ ـ وقال ابن الاثير : وكان الذي تولى إخراجهم عبادة بن الصامت ، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام ، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا ، وكان قد استخلف على المدينة أبا لبابة. وكان لواء رسول الله مع حمزة(٦) ، ثم انصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

___________________

(١) آل عمران : ١٢ و ١٣.

(٢) تفسير القمى : ٨٨.

(٣) في الامتاع : لخمس بقين من رمضان.

(٤) في الامتاع : واتى فصلى الصبح.

(٥) المنتقى في مولد المصطفى : ١١٦ ، الباب الثانى فيما كان في سنة اثنين من الهجرة.

(٦) زاد هنا في المصدر : وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها ، وكان اول خمس اخذه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في قول.

٧

وحضر الاضحى فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المصلى فصلى بالمسلمين وهي أول صلاة عيد صلاها ، وضحى فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بشاتين ، وقيل : بشاة ، وكان أول أضحى رآه المسلمون وضحى معه ذووا اليسار(١) ، وكانت الغزوة في شوال بعد بدر وقيل : كانت في صفر سنة ثلاث جعلها بعد غزوة الكدر.

قال ابن إسحاق : كانت في شوال سنة اثنتين ، ، وقال الواقدي : كانت في محرم سنة ثلاث ، وكان قد بلغ رسول الله (ص) اجتماع بني سليم في ماء لهم(٢) يقال له : الكدر بضم الكاف وسكون الدال المهملة ، فسار رسول الله إلى الكدر فلم يلق كيدا وكان لواؤه مع علي عليه‌السلام ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وعاد ومعه النعم والرعاء ، وكان قدومه في قول لعشر ليال مضين من شوال ، وبعد قدومه أرسل غالب ابن عبدالله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان فقتلوا فيهم وغنموا النعم ، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر ، وعادوا منتصف شوال ، ثم كان غزوة السويق ، وفي ذي الحجة من السنة الثانية مات عثمان بن مظعون فدفن بالبقيع ، وجعل رسول الله (ص) على رأس قبره حجرا علامة لقبره(٣).

___________________

(١) ذكر ذلك المقريزى بعد غزوة السويق.

(٢) في المصدر : على ماء لهم.

(٣) الكامل ٢ : ٩٧ و ٩٨ زاد فيه : وقيل. ان الحسن بن على عليه‌السلام ولد فيها ، و قيل : ان على بن أبى طالب عليه‌السلام بنى بفاطمة على رأس اثنين وعشرين شهرا ، فاذا كان هذا صحيحا فالاول باطل. وفي هذه السنة كتب المعاقلة وقربه بسيفه انتهى ، وفي الامتاع : كتب صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه السنة المعاقل والديات وكانت معلقة بسيفه انتهى.

أقول : الظاهر ان كتابه هذا غير ما كتب بين المهاجرين والانصار لموادعة اليهود الذى ذكرناه سابقا ، حيث انه وقع في العام الاول ، ولم نظفر إلى الان في كتب العامة بما ورد في ذلك الكتاب بتفصيله غير مسائل قليلة ، والكتاب كان بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله عند على عليه‌السلام وورثه ذريته المعصومون بعده ، وهو الموجود حتى اليوم في ايدى شيعتهم ، واختصوا بروايته دون غيرهم وهو من منن الله تعالى عليهم ، والكتاب مشهور بكتاب الديات ( وديات ناصح بن ظريف ) وقد أشرنا إليه بتفصيل في مقدمتنا على كتاب وسائل الشيعة راجعه.



٨

٥ ـ وقال في المنتقى : في السنة الثانية مات أمية بن الصلت ، وكان قد قرأ الكتب المتقدمة ، ورغب عن عبادة الاوثان ، وأخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما بلغه خروج رسول الله كفر به حسدا ولما أنشد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله شعره قال : آمن لسانه ، وكفر قلبه(١).

وذكر غزوة السويق في حوادث السنة الثالثة ، وذكر أن غيبته صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها كانت خمسة أيام.

٦ ـ وقال في الكامل : في المحرم سنة ثلاث سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن جمعا من بني سعد بن تغلبة(٢) وبني محارب بن حفصة(٣) تجمعوا ليصيبوا(٤) فسار إليهم في أربعمائة وخمسين رجلا ، فلما صار بذي القصة ـ بفتح القاف والصاد المهملة ـ لقي رجلا من تغلبة(٥) فدعاه إلى الاسلام فأسلم ، وأخبره أن المشركين أتاهم خبره فهربوا إلى رؤوس الجبال ، فعاد ولم يلق كيدا وكان مقامه اثنتي عشرة ليلة. وفي تلك السنة في جمادى الاولى غزا بني سليم بنجران(٦) ، وسبب هذه الغزوة أن جمعا من بني سليم تجمعوا بنجران(٧) من ناحية الفرع ، فبلغ ذلك رسول الله (ص) فسار إليهم في ثلاثمائة ، فلما صار إلى نجران(٨) وجدهم قد تفرقوا

___________________

(١) مما فات ذكره سابقا بعد غزوة بدر موت أبى لهب ، وكان تخلف عن بدر وبعثه مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة ، فلما جاء الخبر عن مصاب اهل بدر من قريش كبته الله وأخزاه و ما عاش الا ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.

(٢) في المصدر والامتاع ونهاية الارب : بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان.

(٣) في المصدر : بنى محارب بن حفص ، وفي الامتاع : بنى محارب بن خصفة بن قيس بالخاء المعجمة والصاد المهملة. وهو الصحيح راجع معجم قبائل العرب : ١٠٤٢ واللباب ٢ : ١٠٣.

(٤) في المصدر : ليصيبوا من المسلمين. وفي الامتاع : بذى أمر قد تجمعوا يريدون ان يصيبوا من أطرافه صلى‌الله‌عليه‌وآله جمعهم دعثور بن الحارث من بنى محارب.

(٥) في المصدر : من ثعلبة. وفي الامتاع : اصاب رجلا منهم بذى القصة يقال له : جبار من بنى ثعلبة فاسلم اه ثم ذكر نحو ما تقدم في غزوة ذى أمر.

(٦ ـ ٨) هكذا في الكتاب ، وفي المصدر وسيرة ابن هشام : ببحران بالباء والحاء المهملة ، وهو اما بفتح الباء أو بضمها على اختلاف ، قال ياقوت : موضع بين الفرع والمدينة.

٩

فانصرف ولم يلق كيدا ، وكانت غيبته عشر ليال ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم(١).

٧ ـ وقال ابن الاثير والكازروني دخل حديث بعضهم في بعض : وفي هذه السنة قتل كعب بن الاشرف من طئ(٢) ، وكانت أمه من بني النضير ، وكان قد كبر عليه قتل من قتل ببدر من قريش فسار إلى مكة ، وحرض على رسول الله (ص) ، و بكى على قتلى بدر ، وكان يشبب(٣) بنساء المسلمين حتى أذاهم ، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله (ص) : من لي بابن الاشرف ، فإنه قد آذى الله ورسوله ، فقام محمد بن المسلمة فقال : يا رسول أتحب أن أقتله؟ قال : نعم ، قال : فائذن لي أن أقول : شيئا ، قال : قل. فاجتمع محمد بن مسلمة ، وسلكان بن سلامة وقيس(٤) وهو أبونائلة ، والحارث بن أوس(٥) ، وكان أخا كعب من الرضاعة ، وأبوعبس ابن جبير(٦) ثم قدموا إلى ابن الاشرف ، فجاء محمد بن مسلمة فتحدث معه ثم قال يا ابن الاشرف(٧) إني قد جئتك لحاجة فاكتمها علي ، قال : افعل ، قال : كان قدوم هذا الرجل بلاء عادتنا العرب ، وانقطع عنا السبيل حتى ضاع عنا العيال وجهدت الانفس(٨) ، فقال كعب : قد كنت أخبرتك بهذا ، قال أبونائلة :

___________________

(١) الكامل ٢ : ٩٩.

(٢) في الكامل : وهو احد بنى نبهان من طيئ.

(٣) أى تغزل فيهن وذكرهن في شعره.

(٤) هكذا في الكتاب ونسخة المصنف ، والصحيح كما في الكامل والامتاع والسيرة : سلكان بن سلامة بن وقش وهو أبونائلة.

(٥) زاد في الكامل : ابن معاذ.

(٦) هكذا في الكتاب ، وفي الكامل والامتاع والسيرة جبر ، وزادوا في نسبه : احد بنى حارثة. وزادوا معهم رجلا آخر وهو عباد بن بشر بن وقش بن رغبة بن زعورا بن عبد الاشهل.

(٧) في الكامل : ثم قدموا إلى ابن الاشرف أبا نائلة فتحدث معه ، ثم قال : يا ابن الاشرف اه. ونحوه الامتاع والسيرة.

(٨) في الكامل : « كان قدوم هذا الرجل شوما على العرب ، قطع عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت البهائم » وفي السيرة : « كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء ، عادتنا به العرب ، ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبيل ، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس » ومثله في الامتاع الا ان فيه حاربتنا العرب.

١٠

وأريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك ، أتحسن في ذلك؟ فقال : نعم ، ارهنوني نساءكم قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال : فارهنوني أبناءكم ، قالوا : كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم؟ فيقال : رهن بوسق أو وسقين ، هذا عار علينا ، ولكنا نرهنك اللامة ، يعني السلاح ، وأراد بذلك أن لا ينكر السلاح إذا أتوه به ، فواعده أن يأتيه ، فأتى أصحابه وأخبرهم ، فأخذوا السلاح و ساروا إليه ، وتبعهم(١) النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بقيع الغرقد ، ودعا لهم ، فلما انتهوا إلى الحصن هتف به أبونائلة ، وكان كعب قريب عهد بعرس فوثب فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة؟ أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم ، قال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ، ورضيعي أبونائلة ، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لاجاب ، فنزل إليهم وتحدث معهم ساعة وساروا معه إلى شعب العجوز ، ثم إن أبا نائلة قال : ما رأيت كاليوم ريحا أطيب ، أتأذن لي أن أشم رأسك ، قال : فشمه حتى فعل ذلك مرارا فلما استمكن منه أخذ برأسه ، وقال : اضربوا عدو الله فاختلف عليه أسيافهم فلم يغن شيئا ، قال محمد بن مسلمة : قد كنت مشغولا فأخذته ، وقد صاح(٢) عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، فتحاملت عليه وقتلته ، وقد أصاب(٣) الحارث بن أوس بعض أسيافنا ، فاحتملناه وجئنا به إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبرناه بقتل عدو الله ، فتفل على جرح صاحبنا وعدنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت اليهود ، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي

___________________

(١) في الكامل : وشيعهم.

(٢) في الكامل : فاختلفت عليه اسيافهم فلم تغن شيئا ، قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغولا في سيفى فاخذته وقد صاح.

(٣) في الكامل : قال : فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد اصيب.

١١

وهو من تجار اليهود فقتله(١) ، فقال له أخوه خويصة وهو مشرك : يا عدو الله قتلته؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله(٢) ، فقال محيصة : لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لقتلتك ، قال : فوالله أن كان لاول إسلام خويصة ، ثم أسلم عبس بن جبير(٣) ، وكان قتل كعب لاربع عشرة ليلة مضت من ربيع الاول.

وفي هذا الشهر تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله و بنى بها في جمادى الآخرة(٤).

٨ ـ وقال الكازروني : وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حفصة بنت عمر في شعبان. وكانت قبله تحت خنيس بن حذاقة السهمي في الجاهلية فتوفي عنها ، و فيها تزوج صلى‌الله‌عليه‌وآله زينب بنت خزيمة ، وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين ، و كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة فقتل عنها يوم بدر شهيدا ، فتزوجها رسول الله (ص) في شهر رمضان من هذه السنة ، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا فمكثت عنده ثمانية أشهر ، وتوفيت ، وفي هذه السنة ولد الحسن بن علي عليهما‌السلام في النصف من شهر رمضان(٥).

٩ ـ قال ابن الاثير : وفيها كانت غزوة القردة(٦) ، وفيها في جمادى الآخرة قتل أبورافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي ، وكان يظاهر كعب بن الاشرف على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما قتل ابن الاشرف فكان قتله من الاوس قالت الخزرج : والله

___________________

(١) زاد في الكامل : وكان يبايعهم.

(٢) زاد في الكامل : وضربه.

(٣) في الكامل : عبس بن جبر.

(٤) الكامل ٢ : ٩٩ و ١٠٠. المنتقى في مولود المصطفى : ١١٦ ، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث.

(٥) المنتقى في مولود المصطفى : ١١٧ ، الباب الثالث فيما كان سنة ثلاث.

(٦) في الكامل : الفردة بالفاء ثم قال : الفردة : ماء بنجد : وقد اختلف العلماء في ضبطه فقيل : فردة بالفاء المفتوحة والراء الساكنة وبه مات زيد الخيل ، وضبطه ابن الفرات في غير موضع : قردة بالقاف ، وقال ابن اسحاق : وسير زيد بن حارثة إلى الفردة : ماء من مياه نجد ، ضبطه ابن الفرات ايضا بفتح الفاء والراء ، فان كانا مكانين والا فقد ضبط ابن الفرات احدهما خطأ.

١٢

لا يذهبون بها علينا(١) عند رسول الله ، فتذاكر الخزرج من يعادي رسول الله (ص) كابن الاشرف ، فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في قتله فأذن لهم ، فخرج إليه من الخزرج عبدالله بن عتيك ومسعود بن سنان و عبدالله بن أنيس وأبوقتادة وخزاعي بن الاسود حليف لهم ، وأمر عليهم عبدالله بن عتيك فخرجوا حتى قدموا خيبر ، فأتوا دار أبي رافع ليلا فلم يدعوا بابا في الدار إلا أغلقوه على أهله وكان في علية(٢) فاستأذنوا عليه فخرجت امرأته فقالت : من أنتم؟ قالوا : من العرب نلتمس الميرة ، قال : (٣) ذاك صاحبكم ، فادخلوا عليه ، فلما دخلوا أغلقوا باب العلية وبدروه على فراشه ، فصاحت المرأة ، فجعل الرجل منهم يريد قتلها فيذكر نهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إياهم عن قتل النساء والصبيان ، فيكف عنها فضربوه بأسيافهم ، وتحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه ، ثم خرجوا من عنده ، وكان عبدالله بن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثبت رجله وثبا شديدا(٤) ، واحتملوه ورجعوا(٥) ، وطلبتهم اليهود في كل وجه فلم يروهم فرجعوا إلى صاحبهم ، فقال المسلمون : كيف نعلم أن عدو الله قد مات فعاد بعضهم ودخل في الناس فرآه والناس حوله وهو يقول : قد عرفت صوت ابن عتيك ، ثم صاحت امرأته وقالت : مات والله ، قال : فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي منها ، ثم عاد إلى أصحابه وأخبرهم الخبر ، وسمع صوت الناعي يقول : أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز ، وساروا حتى قدموا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله واختلفوا في قتله فقال رسول الله (ص) : هاتوا أسيافكم ، فجاؤا بها فنظر فيها ، فقال لسيف عبدالله بن أنيس : هذا قتله ، أرى(٦) أثر الطعام(٧).

___________________

(١) قال المصنف في هامش الكتاب : لا يذهبون بها أى بهذه الفضيلة مفتخرين علينا.

(٢) العلية : بيت منفصل عن الارض ببيت كالغرفة.

(٣) هكذا في الكتاب ، والصحيح كما في المصدر : قالت.

(٤) في المصدر : فوثئت رجله وثأ شديدا. أقول : أى اصابها وهن ووصم لا يبلغ ان يكون كسرا.

(٥) في المصدر : وخفوا.

(٦) في الكامل : ارى فيه اثر الطعام.

(٧) الكامل ٢ : ١٠١.

١٣

١١

باب

*(غزوة احد وغزوة حمراء الاسد)*

الآيات آل عمران « ٣ » : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكتبهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ١٢١ ـ ١٢٨.

وقال تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين * ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون * وما محمد إلا رسول قد خلت من قلبه الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين * وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ١٣٩ ـ ١٤٦.

١٤

إلى قوله تعالى :

يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخريكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون * فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ١٤٩ ـ ١٦١.

١٥

إلى قوله تعالى :

أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير * وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين * ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب ١٦٥ ـ ١٧٦.

النساء ٤ : فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ٨٨.

وقال تعالى : ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ١٠٤.

الانفال ٨ : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ٣٦.

تفسير : قال الطبرسي رحمه‌الله في قوله تعالى : « وإذ غدوت من أهلك » ، أي اذكر يا محمد إذ خرجت من المدينة غدوة « تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال » أي تهيئ

١٦

للمؤمنين مواطن القتال ، أو تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها ولا يفارقوها ، واختلف في أي يوم كان ذلك فقيل : يوم أحد عن ابن عباس ، وأكثر المفسرين(١) وهو المروي عن أبي جعفر عليه‌السلام ، وقيل : كان يوم الاحزاب عن مقاتل وقيل : يوم بدر عن الحسن « والله سميع » لما يقوله النبي (ص) « عليم » بما يضمرونه « إذ همت » أي عزمت « طائفتان منكم » أي من المسلمين « أن تفشلا » أي تجبنا وهما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الانصار ، عن ابن عباس وأكثر المفسرين(٢) وعن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما‌السلام ، وقال الجبائي : نزلت في طائفة من المهاجرين وطايفة من الانصار ، وكان سبب همهم بالفشل أن عبدالله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه « والله وليهما » أي ناصرهما ، ويروى(٣) عن جابر بن عبدالله أنه قال : فينا نزلت وما أحب أنها لم تكن لقوله : « والله وليهما ».

وقال بعض المحققين : هذا هم خطرة لا هم عزيمة ، لان الله سبحانه مدحهما وأخبر أنه وليهما ، ولو كان هم عزيمة لكان ذمهم أولى(٤).

أقول : ثم روى الطبرسي قصة غزوة أحد عن أبي عبدالله عليه‌السلام مثل ما سيأتي في رواية علي بن إبراهيم ، ثم قال : وروى أبوإسحاق(٥) والسدي والواقدي وابن جريح(٦) وغير قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الاربعاء في شوال سنة

___________________

(١) هذا تلخيص من المصنف ، والا في المصدر : عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدى وابن اسحاق.

(٢) هذا ايضا تلخيص من المصنف رحمه‌الله ، ففى المصدر : عن ابن عباس وجابر بن عبدالله والحسن وقتادة ومجاهد والربيع.

(٣) في المصدر : وروى.

(٤) ولو كان هم عزيمة وقصد لكان ذمهم اولى من مدحهم.

(٥) هكذا في نسخة المصنف وفيه وهم ، والصحيح كما في المصدر : ابن اسحاق ، وهو محمد ابن اسحاق صاحب المغازى المعروف.

(٦) في المصدر : وابن جرير. ولعله الصحيح. والا فالصحيح : ابن جريج بالجيم.

١٧

ثلاث من الهجرة ، وخرج رسول الله (ص) إليهم يوم الجمعة ، وكان القتال يوم السبت للنصف من الشهر ، وكسرت رباعيته صلى‌الله‌عليه‌وآله وشج وجهه(١) ، ثم رجع المهاجرون والانصار بعد الهزيمة ، وقد قتل من المسلمين سبعون ، وشد رسول الله بمن معه حتى كشفهم ، وكان الكفار مثلوا بجماعة ، وكان حمزة أعظم مثلة ، وضربت يد طلحة فشلت(٢).

وقال في قوله : « ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة » هو إخبار بأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لقومه : ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم ، وقيل : إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا « منزلين » أي من السماء « بلى » تصديق للوعد ، أي يفعل كما وعدكم ويزيدكم « إن تصبروا » أي على الجهاد وعلى ما أمركم الله « وتتقوا » معاصي الله ومخالفة رسوله « ويأتوكم من فورهم هذا » أي رجع المشركون إليكم من جهتهم(٣) هذا ، وقيل : من غضبهم هذا ، وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا فهو من فور الغضب أي غليانه « يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة » أي يعطكم مددا لكم ونصرة ، وإنما قال ذلك لان الكفار في غزاة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يعبروا على المدينة(٤) ، وهموا بالرجوع فأوحى الله إلى نبيه أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم ، وقال لهم : « إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله » ثم قال : إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما بهم من الجراح ، وأخبر المشركون من رسول الله (ص) أنه يتبعكم(٥) فخاف المشركون

___________________

(١) في المصدر : وشج في وجهه.

(٢) مجمع البيان ٢ : ٤٩٥ و ٤٩٧.

(٣) في المصدر : من وجههم هذا.

(٤) في المصدر : لم لم يغيروا على المدينة.

(٥) في المصدر : فأخبر من مر برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله انه خرج يتبعكم.

١٨

إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين ، وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم ، وانضم إليهم غيرهم ، فدسوا نعيم بن مسعود الاشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش ، وأسرعوا في الذهاب إلى مكة ، وكفى الله المسلمين أمرهم ، ولذلك قال قوم من المفسرين : إن جميعهم ثمانية آلاف ، وقال الحسن : إن جميعهم خمسة آلاف منهم ثلاثة آلاف المنزلين ، على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر(١) ، ثم استأنف حكم يوم أحد فقال : « بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا » أي إن رجعوا إليكم بعد انصرافكم « أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين » وهذا قول البلخي ، رواه عن عكرمة(٢) ، قال : لم يمدوا يوم أحد ولا بملك واحد ، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيتين « مسومين » أي معلمين ، أو مرسلين « وما جعله الله إلا بشرى لكم » أي ما جعل الله الامداد والوعد به إلا بشارة لكم « ولتطمئن قلوبكم به » فلا تخافوا كثرة عدد العدو « وما النصر إلا من عند الله » معناه إن الحاجة إلى الله سبحانه لازمة في المعونة وإن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين(٣).

وقال البيضاوي : وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد ، وإنما أمدهم ووعد لهم(٤) بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أن نظر العامة إلى الاسباب أكثر وأحث على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم(٥).

« ليقطع طرفا من الذين كفروا ».

قال الطبرسي : اختلف في وجه اتصاله بما قبله ، فقيل : يتصل بقوله : « وما

___________________

(١) زاد في المصدر : لان قوله : « اذ تقول للمؤمنين » الاية ، يتعلق بقوله : « ولقد نصركم الله ببدر » الاية.

(٢) في المصدر : رواه عن عمرو بن دينار عن عكروة.

(٣) مجمع البيان ٢ : ٤٩٩.

(٤) في المصدر : ووعد لهم به.

(٥) انوار التنزيل ١ : ٢٣١ فيه : وحث على ان لا يبالوا.

١٩

النصر إلا من عند الله » أي أعطاكم الله هذا النصر ليقطع طائفة من الذين كفروا بالقتل والاسر ، وقيل : هو متصل بقوله : « ولقد نصركم الله ببدر » وقيل : معناه ذلك التدبير « ليقطع طرفا » أي قطعة منهم. والمعنى ليهلك طائفة منهم ، وقيل : ليهدم ركنا من أركان الشرك بالاسر والقتل ، فأما اليوم الذي وقع فيه ذلك فيوم بدر(١) وقيل : هو يوم أحد ، قتل فيه ثمانية عشر رجلا « أو يكبتهم » أي يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم ، وقيل : يردهم عنكم منهزمين ، وقيل : يصرعهم على وجوههم ، وقيل : يظفركم عليهم ، وقيل : يلعنهم ، وقيل : يهلكهم « فينقلبوا خائبين » لم ينالوا مما أملوا شيئا « ليس لك من الامر شئ » قيل : هو متصل بقوله : « وما النصر إلا من عند الله » أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ ، وقيل : إنه اعتراض بين الكلامين ، وقوله : « أو يتوب عليهم » متصل بقوله : « ليقطع طرفا » فالتقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العقاب ، وليس لك من هذه الاربعة شئ ، وذلك إلى الله تعالى.

واختلف في سبب نزوله ، فروي عن أنس بن مالك وابن عباس والحسن و قتادة والربيع أنه لما كان من المشركين يوم أحد من كسر رباعية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وشجه حتى جرت الدماء على وجهه ، فقال : « كيف تفلح قوم نالوا هذا من نبيهم » وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم؟ فأعلمه الله سبحانه أنه ليس إليه فلاحهم ، وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة ، ويجاهد حتى يظهر الدين ، وإنما ذلك إلى الله ، وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص ، فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا ، فمات كافرا قبل حول الحول(٢) وأدمى وجهه رجل من هذيل يقال له : عبدالله بن قميئة ، فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله ، وروي أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يمسح الدم عن وجهه

___________________

(١) فيه اختصار ، وهو في المصدر هكذا : واما اليوم الذى قطع الله فيه الطرف من الذين كفروا فيوم بدر قتل فيه صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم إلى الكفر.

(٢) في المصدر : قبل أن يحول الحول.

٢٠