نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ٣

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني

نهاية الدّراية في شرح الكفاية - ج ٣

المؤلف:

الشيخ محمّد حسين الإصفهاني


المحقق: الشيخ أبو الحسن القائمي
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-41-8
ISBN الدورة:
964-5503-39-6

الصفحات: ٤٤٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وبعد :

فنحن إذ نقدم هذا الكتاب الجليل بين يدي القارئ الكريم بعد الانتهاء من تحقيقه ونشره بحلّة قشيبة متوخين قدر الإمكان إخراجه بشكل يتناسب وأهميته وحاجة الفضلاء إليه ، فإنا ندرك مدى التأخير الذي رافق عملية التحقيق هذه ، والتي كان مبعثها حرصنا على تقديم الأفضل كما هو طموحنا في إخراج كل الكتب التي نقوم بتحقيقها أو نشرها.

فبعد انتهاء العمل بتحقيق هذا الكتاب عثرنا على نسخة مخطوطة قسمها الأخير مكتوب بخط المؤلّف رحمه الله تعالى ، مما كان له الحافز الكبير لإعادة مراجعة هذا الجزء على هذه النسخة وإن سقطت بعض أوراقها إلا أنها كانت مفيدة لنا ، لا سيما إذا علمنا ما تمتلئ به النسخة الحجرية من الأخطاء المطبعية التي لا تخفى على ذهن اللبيب.

وهكذا ونحن نضع هذا السفر الجليل أمام الملأ العلمي الكريم فإننا نقدم جزيل شكرنا لسماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ أبو الحسن القائمي على ما بذله من جهود كبيرة وقيّمة في تحقيق هذا الكتاب.

كما ونتقدم بشكرنا ايضاً لجميع الأفاضل الذين ساهموا بجهود مختلفة في هذا العمل.

وفق الله تعالى الجميع لمراضيه ، إنّه نعم الموالى ونعم النصير.

مؤسسة أل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

٥

٦

٧

٨

٩

١٠

بسم الله الرّحمن الرّحيم

به ثقتي

الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام على خير خلقه وسيّد رسله محمّد وعترته الطّيبين الطّاهرين.

في عدم كون حجّية القطع من مسائل الفن

١ ـ قوله « مد ظله » : وإن كان خارجا عن مسائل الفن ... الخ (١).

حتى بناء على تعميم الغرض الباعث على تدوين فن الأصول لما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل ، فإن هذه المباحث ليست مما ينتهي إليه أمر الفقيه في مقام العمل ، كمباحث الأصول العمليّة التي ينتهى إليها أمر الفقيه في مقام العمل بعد الفحص والبحث عن الأدلة والأمارات ، وهو واضح ، فإن حجّية القطع بأقسامه غير منوطة بالفحص والبحث عن الدليل ، كما أن منجّزيّته بأقسامه لا تكون واسطة في استنباط حكم شرعي.

ومنه تبين أن الوجه في خروج مباحث القطع عن الأصول ذلك ، لا عدم

__________________

(١) كفاية الأصول / ٢٥٧.

١١

إمكان أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه ، فان اللازم وساطة نتيجة البحث ، لا وساطة نفس القطع ، ليتوهم عدم إمكانها.

لا يقال : إنما يصح ما ذكر من الوجه في خروج مباحث القطع عن مسائل علم الأصول بناء على أن الغرض من العلم المزبور ذلك.

وأما لو قلنا بأن الغرض منه أعم من ذلك ، وهو البحث عما يفيد في مقام إقامة الحجة على حكم العمل شرعا في علم الفقه كما بيناه في أوائل الجزء الأول من التعليقة لإدراج البحث عن حجية الأمارات دلالة وسندا في علم الأصول (١) ، فيمكن إدراج البحث هنا أيضا في المسائل ، لأن البحث عن منجّزية القطع بأقسامه ، كالبحث عن منجزية الأمارات ، وكلاهما يفيد في مقام إقامة الحجة على حكم العمل في الفقه.

لأنا نقول القطع بالحكم عين وصوله حقيقة إلى المكلف ، ولا يتوقف العلم بفعل المكلف من حيث الاقتضاء والتخيير وهو علم الفقه على منجزية القطع ، ليكون نتيجة البحث مفيدة في الفقه.

بخلاف ما عدا القطع من أقسام الحجة ، فانه ليس وصولا حقيقيا للحكم ، فلا بد من كونه وصولا تنزيليا ، أو وصولا من حيث الأثر ، وهو المنجّزيّة ، فيتوقف وصول الحكم إلى المكلف على ثبوت وصوله تنزيلا ، أو من حيث الأثر ، وهو المبحوث عنه في علم الأصول.

وكذا البحث عن منجّزيّة العلم الإجمالي واستحقاق العقوبة على التجري ، فإنه خارج عن مسائل الفن على جميع التقادير.

نعم إذا كان البحث في التجرّي بحثا عن تعنون الفعل المتجري به بعنوان قبيح ملازم بقاعدة الملازمة للحرمة شرعا دخل في مسائل الفن ، لكنه لم يحرّر بهذا العنوان في الكتاب ، وغيره.

__________________

(١) نهاية الدراية ١ : التعليقة ١٣.

١٢

وأما مسألة القطع الطريقي والموضوعي وقيام الأمارة مثلا مقامه « تارة » وعدمه « أخرى » فهي خارجة عن مباحث القطع ، لأن إمكان قيام الأمارة مقام القطع بقسميه في تنزيل واحد من لواحق الأمارة لا من لواحق القطع ، إذ النتيجة بالأخرة ترتّب حكم الواقع على ذات المؤدّى ، وترتّب حكم الواقع المقطوع به على المؤدى بما هو مؤدّى من دون لحوق أثر للقطع ، فتدبر جيدا.

في شباهة المسألة بمسائل الكلام

٢ ـ قوله « مد ظلّه » : وكان أشبه بمسائل الكلام ... الخ (١).

حيث إن المسائل الكلامية ليست مطلق المسائل العقلية ، بل ما له مساس بالدّينيّات والعقائد ، فلذا لم يجعلها من مسائل الكلام ، لكنه حيث إن مرجع البحث إلى حسن معاقبة الشارع على مخالفة المقطوع به صحت دعوى أنها أشبه بمسائل الكلام ، فتدبر.

٣ ـ قوله « مد ظلّه » : متعلق به أو بمقلّديه ... الخ (٢).

وجه تخصيص المكلف بالمجتهد وتعميم الحكم إلى حكمه وحكم مقلده هو أن عناوين موضوعات الأحكام الظاهرية لا ينطبق إلا على المجتهد ، فإنه الذي جاءه النبأ ، أو جاءه الحديثان المتعارضان ، وهو الذي أيقن بالحكم الكلي ، وشك في بقائه ، وهكذا.

إلا أن محذوره عدم ارتباط حكم المقلد به ، فلا يتصور في حقه تصديق عملي ، وجرى عملي ، ولا نقض عملي وإبقاء عملي ، فمن يتعنون بعنوان الموضوع ليس له تصديق عملي ليخاطب به ، ومن له تصديق عملي لا ينطبق

__________________

(١) كفاية الأصول / ٢٥٧.

(٢) كفاية الأصول / ٢٥٧.

١٣

عليه العنوان ، ليتوجه إليه التكليف.

ومنه تعرف أن المحذور ليس مجرد عدم تمكن المقلد من الفحص عن المعارض ، ومن الترجيح ، ومن البحث عن الأدلة ، ليدفع بقيام المجتهد مقام المقلد ، فيما ذكر ، بل المحذور ما ذكرنا.

ويندفع بما ذكرناه في مباحث الاجتهاد والتقليد من أن أدلة الإفتاء والاستفتاء يوجب تنزيل المجتهد منزلة المقلّد ، فيكون مجيء الخبر إليه بمنزلة مجيء الخبر إلى مقلّده ، ويقينه وشكه بمنزلة يقين مقلده وشكه ، فالمجتهد هو المخاطب عنوانا ، والمقلد هو المخاطب لبّا ، وإلا لكان تجويز الإفتاء والاستفتاء لغوا.

ومع هذا كله فتعميم المكلف إلى المجتهد والمقلد ، وتعميم الحكم أيضا أولى ، لأن جملة من أحكام القطع والأصول العقليّة تعم المقلّد أيضا ، فلا وجه للتّخصيص بالمجتهد.

٤ ـ قوله « مد ظلّه » : ولذلك عدلنا عما في رسالة ... الخ (١).

ظاهره أن لزوم التعميم من حيث الواقع والظاهر ولزوم التخصيص من حيث الفعليّة هو السّبب للعدول لا خصوص الأول.

والوجه في سببيتهما لذلك عدم امكان إرادة الأعم من الواقع والظاهر وخصوص الفعلي من الحكم الواقع في الرسالة.

أما الأول فللزوم التكرار المستهجن ، لأن مفاد الأمارات والأصول الشرعية داخل في الحكم الظاهري المقطوع به ، فلا مقابلة حقيقة.

وأما الثاني فللزوم اجتماع الحكمين الفعليين في موارد الأمارات والأصول الشرعيّة ، فلا يعقل ترتيب الحكم الفعلي على الظن بالحكم الفعلي أو الشك فيه ، فان الظن بالفعليين والشك فيهما كالقطع بهما محال ، إذ الملتفت إلى تقابل الحكمين

__________________

(١) كفاية الأصول / ٢٥٧.

١٤

الفعليّين كما يستحيل منه القطع بهما كذلك يستحيل منه الظن بهما أو احتمالهما معا.

بخلاف ما إذا عممنا الحكم من حيث الواقع والظاهر وخصّصناه من حيث الفعليّة ، فإنه يقتضي تحرير الأقسام كما حرّر في المقام ، والمراد بعدم تثليث الأقسام جعل الظن والشك مطلقا في قبال القطع وإلا فالقسمة ثلاثيّة أيضا ، فإن الأقسام المختلفة في الأحكام ثلاثة القطع بالحكم والظن الانسدادي على الحكومة وعدمهما سواء كان ظن ولم يتم دليل الانسداد على الحكومة أو لم يكن.

والتحقيق إمكان إصلاح ما في الرسالة مع حفظ التعميم والتخصيص أما محذور التكرار مع تثليث الأقسام ، فإنما يصح مع عدم اختلاف الاقسام في الجهات والأحكام. ومن الواضح خلافه.

بيانه أن محمول الحكم المقطوع به واقعيّا كان أو ظاهريّا هي الحجّية العقليّة مثلا.

ومحمول الحكم المظنون مطلقا « تارة » وجوب ترتيب الأثر شرعا « وأخرى » عدمه.

ومحمول الحكم المشكوك فيه « تارة » حرمة نقضه ، « وأخرى » البراءة عنه.

فالحكم مطلقا بما هو مقطوع به له حكم غير ما هو مرتب عليه بما هو مظنون أو مشكوك فيه.

فمفاد الأمارات الشرعيّة بما هو مظنون له حكم وبما هو مقطوع به بلحاظ دليل اعتباره له حكم آخر.

وبالجملة الجهات المبحوث عنها مختلفة فتختلف باختلافها المحمولات لعدم تعقّل اختلاف المحمولات مع وحدة الموضوع ، وملاك تمايز المسائل تمايز الجهات المبحوث عنها.

وأما محذور احتمال الحكمين الفعليّين فهو لازم على أي حال مع قطع النظر عن تحرير البحث هنا ، فإن القائل بالبراءة الشرعيّة مثلا يقول : بالرخصة

١٥

والاباحة الشرعيّة في مورد احتمال الحكم الفعلي سواء حرر المقام على نحو ما في الرسالة أو لا وسيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى.

هذا مع أن فائدة التقسيم أن يكون كالفهرست لما يبحث عنه في الكتاب فاللازم البحث عن أحكام القطع بالحكم والظن الانسدادي وعدمهما.

وعليه فالبحث عن حجّية الأمارات ومقتضيات الأصول الشرعيّة ليس بحثا عن عوارض القطع بالحكم الأعم من الواقعي والظاهري ، بل يكون بحثا عن أسباب القطع « تارة » وعن ثبوت المقطوع « أخرى ».

مع أن مسائل هذا المقصد حسب الفرض منحصرة في بيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا والبحث فيها عن اعتبارها ، وهي إنّما يصح جعلها من المسائل إذا كان الموضوع على النهج المرقوم في الرسالة كما هو واضح.

لا يقال : البحث عن أسباب القطع بحث عن عوارضه فان البحث عن كون الشيء ذا مبدأ بحث عمّا يلحقه ويحمل عليه كما أن الوجود والموجود موضوع للعلم الإلهي والبحث عن المبدأ فيه من أهم مقاصده وأعظم مسائله.

لأنّا نقول : هذا إنما يصح إذا كان عنوان البحث كون الأمارة بحسب دليل اعتبارها سببا للقطع لا ما إذا كان البحث عن اعتبار الأمارة كما هو المفروض حتى في هذا الكتاب.

في بيان أن المانع من جريان الأصول هي الحجّة.

٥ ـ قوله « مد ظلّه » : لئلا تتداخل الأقسام ... الخ (١).

توضيحه أن المانع من إجراء الأصول هو الحجّة كما أن مورد إجرائها ما لم يكن هناك حجّة فلا مقابلة بين الظن والشك بحسب الغرض المهمّ.

إلاّ أن هذا المعنى ليس من التّداخل في شيء ، بل الإشكال أن ما جعل ملاكا لإجراء الأصول جوازا ومنعا ليس هو الظن والشك بل

__________________

(١) كفاية الأصول / ٢٥٨.

١٦

الحجّة وعدمها ، وإلا فالظن بما هو ظن لا يلحقه حكم الشك بل بما هو غير حجّة كما أنّ ما يفيد الشّك ليس بما هو مفيد له حجّة بل بما هو ناظر إلى الواقع فلا تداخل حقيقة والأمر سهل.

لكن التحقيق أن التقسيم لبيان فهرست موضوعات المباحث لا لبيان المانع من إجراء الأصول.

ومن الواضح أن موضوع البحث عن الاعتبار هو الطريق اللابشرط من حيث الاعتبار وعدمه لا الطريق المعتبر ، فإنه لا يعقل عروض الاعتبار وعدمه على الطريق المعتبر.

فحق التّقسيم أن يقال : إن الملتفت إلى حكمه الشرعي إمّا أن يكون له طريق تامّ إليه أولا ، وعلى الثاني إما أن يكون له طريق ناقص لوحظ لا بشرط أولا ، وعلى الثاني إما أن لا يكون له طريق أصلا ، أو يكون له طريق بشرط عدم الاعتبار ، وعلى أيّ تقدير ليس له طريق لا بشرط.

فالأول هو القطع وهو موضوع التنجّز ، والثاني هو الطريق المبحوث عن اعتباره وعدمه ، والثالث موضوع الأصول ، فتدبّر.

ثم لا يخفى أن الغرض من التقسيم : إن كان بيان فهرست أصول الأبواب ، فما أفاده في المتن وحرّرناه هنا واف بالمقصود.

وإن كان الغرض بيان فهرست أصناف موضوعات المسائل ، فلا وجه للاقتصار على بيان مجاري الأصول ، بل ينبغي بيان أصناف الأمارات أيضا.

في بيان معنى وجوب العمل بالقطع عقلا.

٦ ـ قوله « مد ظلّه » : لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ... الخ (١).

لا يذهب عليك أن المراد بوجوب العمل عقلا ليس إلاّ إذعان العقل

__________________

(١) كفاية الأصول / ٢٥٨.

١٧

باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلق به القطع ، لا أنّ هناك بعثا وتحريكا من العقل أو العقلاء نحو ما تعلّق به وإن كان هو ظاهر تعليقة (١) أستادنا العلاّمة أدام الله أيّامه على الرسالة ، ضرورة أنّه لا بعث من القوّة العاقلة وشأنها إدراك الأشياء ، كما أنّه لا بعث ولا تحريك اعتباري من العقلاء.

والأحكام العقلائيّة كما سيجيء (٢) إن شاء الله تعالى عبارة عن القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع كحسن العدل وقبح الظّلم والعدوان.

ولا ينبغي الارتياب من أحد من أولي الألباب أنه ليس في هذا الباب حكم جديد من العقل ، بل الغرض تطبيق الكبرى العقليّة الحاكمة باستحقاق العقوبة على المعصية الحقيقيّة لأمر المولى ونهيه على المورد بمجرّد تعلّق القطع به.

وحيث إن الكبرى العقليّة مسلّمة وانطباقها على موضوعها قهريّ ، فلذا لا مجال للبحث إلاّ عن طريقيّة القطع وكونه موجبا لانطباق الكبرى على الصغرى ، ولأجله علّله « قدس سره » في الرسالة بطريقيّته ، الذاتيّة.

وعلى هذا نقول : حيث إنّ القطع حقيقة نوريّة محضة ، بل حقيقته حقيقة الطّريقيّة والمرآتيّة ، لا أنّه شيء لازمه العقلي الطريقيّة والانكشاف ، بداهة أنّ كل وصف اشتقاقي ينتزع عن مرتبة ذات شيء فمبدؤه ينتزع عنه قهرا وإلاّ لزم الخلف ، بل ذاته نفس الانكشاف وانتزاع الكاشف عنه باعتبار وجدانه لنفسه ، ولا معنى للطّريقيّة إلا وصول الشيء بعين حضوره للنّفس فالطّريقيّة عين ذاته لا من ذاتيّاته ، فلذا لا حالة منتظرة في الإذعان بانطباق الكبرى العقليّة على المورد ، فيتحقّق بسببه ما هو السبب التام لاستحقاقه العقاب بلا كلام.

وحيث إنّ طريقيّته ذاتيّة ، فجعل الطريقيّة له من الشارع غير معقول ،

__________________

(١) التعليقة على فرائد الأصول / ٥.

(٢) التعليقة ١٠ من هذا المجلّد.

١٨

لا بما هو جاعل الممكنات ، ولا بما هو شارع الشرائع والأحكام :

أما عدم قابليّته للجعل بما هو جاعل الممكنات ، فلأن المعقول من الجعل نحوان بسيط ومركّب ، والقطع بما هو قطع في مرحلة ذاته وماهيّته غير قابلة للجعل بنحويه على ما هو التّحقيق من تعلّق الجعل بالوجود.

فالماهيّة ليست مجعولة ولا مجعولة بالجعل البسيط.

كما أن الجعل التّركيبي بين الشيء ونفسه غير معقول ، لأنّ وجدان الشيء لذاته وذاتياته ضروريّ ، وقد فرضنا أن القطع حقيقته عين الانكشاف والنوريّة.

بل لو فرضنا أنه أمر لازمه النوريّة والمرآتيّة فهو من لوازمه الغير المفارقة والجعل بين الشيء ولوازمه الغير المفارقة أيضا محال.

وأما في مرحلة وجوده ، فالجعل البسيط له عبارة عن إبداعه وتكوينه وإيجاده ، وهو أمر معقول ولا دخل له بمورد البحث ، إذ إيجاد القطع إيجاد الطريق وكل قطع وجد في الخارج فهو بعلله مستند إلى جاعل هويّات الممكنات ، فجعل القطع جعل الطّريق ، لا جعل ما ليس بطريق بذاته طريقا كما هو محل البحث.

وأما جعله طريقا بمعنى تعلّق الجعل بوجوده الرابطي ، فهو محال بعد ما عرفت أن حقيقة القطع حقيقة الطّريقيّة والمرآتيّة ، فوجود الطريقيّة له وجود نفسيّ له لا رابطيّ ، فتدبّر جيّدا فإنه حقيق به.

وأمّا عدم القابليّة للجعل منه تعالى بما هو شارع ، فالجعل المعقول منه من حيث هو شارع هو التّصرف في الحكم ، حيث إنّ حيثية الشارعيّة غير حيثيّة الجاعليّة.

وحينئذ نقول : إن الحكم المجعول ثانيا سواء كان موافقا لما تعلّق به القطع أو مخالفا له يوجب اجتماع المثلين في الأول واجتماع الضدين أو المتناقضين في الثّاني في نظر القاطع وإن لم يوجبهما في الواقع ، وكفى به مانعا لعدم تمكّن المكلّف من تصديقه بعد تصديقه بمثله أو ضده أو نقيضه ، فلا يعقل من المولى

١٩

حينئذ البعث والزّجر ، لأنّهما لجعل الدّاعي والمفروض استحالته في نظر المكلف.

مضافا إلى أنه إذن في التجري في صورة المخالفة وهو كالاذن في المعصية الواقعيّة قبيح عقلا.

بل التحقيق أن حديث التضاد والتماثل أجنبي عمّا نحن فيه لما فصّلناه في مسألة اجتماع الأمر والنهي (١) أن الحكم سواء كان بمعنى الإرادة والكراهة أو البعث والزجر الاعتباريّين ليس فيه تضادّ وتماثل ، فانهما من صفات الأحوال الخارجية للموجودات الخارجية فراجع.

بل المانع من اجتماع البعثين إمّا صدور الكثير عن الواحد لو انبعث البعثان المستقلان عن داع واحد أو صدور الواحد عن الكثير لو انبعثا عن داعيين ، فان الفعل الواحد عند انقياد المكلف لمولاه لو صدر عن بعثين مستقلّين لزم صدور الواحد عن الكثير ، كما أن صدور مقتضى البعث والزجر لازمه اجتماع المتناقضين فيلغوا البعث بداعي إيجاد الفعل والزجر بداعي تركه.

وأما النقض بالمنع عن الظن القياسي فغير وارد ، فإن الإشكال فيه « تارة » : من حيث إنّ الظنّ بالحكم الفعلي مع التّرخيص في خلافه فعلا يوجب الظن باجتماع النقيضين أو الضدين.

والظن بغيره وإن صح المنع عنه إلاّ أن القطع به أيضا كذلك.

وأخرى من حيث إن العقل مستقل بعد الانسداد بمنجزيّة الظن بما هو ظن فاذا صح الترخيص في مخالفته شرعا صحّ في القطع الذي يستقلّ العقل بمنجّزيّته لوحدة الملاك منعا وجوازا.

ويندفع الأول بأن المراد من الحكم الفعلي هو الانشاء بداعي جعل الداعي وهو عقلا متقيّد بالوصول بنحو من الأنحاء ، والقطع به حيث إنه وصوله حقيقة يكون الواصل مصداقا للبعث حقيقة ، فلا يعقل بعث حقيقي آخر ولا

__________________

(١) نهاية الدراية ١ : التعليقة ٦٢.

٢٠