منتقى الأصول - ج ٥

السيد عبد الصاحب الحكيم

منتقى الأصول - ج ٥

المؤلف:

السيد عبد الصاحب الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٧

١
٢

٣
٤

تتمة

مبحث البراءة

٥

٦

« الشبهة الموضوعية »

ويقع الكلام بعد ذلك في الشبهة الموضوعية التحريمية. والكلام في جهات :

الأولى : في الدليل على البراءة فيها شرعا.

الثانية : في تقريب جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

الثالثة : في ضابط ما تجري فيه البراءة منها ، وتمييزه عما لا تجري فيه.

أما الجهة الأولى : فتحقيق الكلام فيها : ان الدليل على البراءة في الشبهات الموضوعية هو ما تقدم من أدلة البراءة ، ويضاف إليها بعض النصوص التي قيل باختصاصها في الشبهة الموضوعية :

منها : رواية عبد الله بن سنان : « قال أبو عبد الله عليه‌السلام كل شيء يكون فيه حرام وحلال ، فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » (١). وقد ورد هذا المضمون في نصوص أخرى وقع السؤال فيها عن الجبن (٢).

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٢ ـ ٥٩ باب : ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث : ١.

(٢) وسائل الشيعة ١٧ ـ ٩٠ باب : ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة.

٧

وقد تعرض الشيخ رحمه‌الله إلى هذا المضمون ، وذهب إلى عدم شموله للشبهة الحكمية وانه يختص بالشبهة في الموضوع لقرائن متعددة ..

كفرض وجود القسمين من الحلال والحرام.

وظهور ان ذكر القيد لبيان منشأ الاشتباه ، وان وجود القسمين هو الّذي أوجب اشتباه الحال في المشكوك ، وهذا لا يتم في الشبهة الحكمية لعدم كون منشأ الاشتباه وجود القسمين ، بل يتحقق الشك من جهة الحكم ولو لم يكن هناك قسمان.

وكون الغاية هي معرفة الحرام منه. ومن الواضح انه لو فرض تصور جامع بين ما هو الحلال والحرام في موارد الشبهة الحكمية ، فلا تكون معرفة الحرام غاية لحلية المشكوك ، كما لا يخفى.

وبالجملة : ظهور النص في جعل الحلية في خصوص مورد الشبهة الموضوعية لا ينكر (١).

ومنها : قوله عليه‌السلام : « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه » (٢) ـ بناء على أنه غير رواية مسعدة بن صدقة ، وقد تقدم الحديث في ذلك فراجع ـ وظهورها في خصوص مورد الشبهة الموضوعية قد ينكر بدوا ، لعموم : « كل شيء » لكل مشكوك ولو بالشبهة الحكمية. لكن قوله : « حتى تعلم أنه حرام » يوجب الظهور في الاختصاص ، إذ لا يعبّر في موارد الشبهة الحكمية بهذا التعبير ، بل يقال : « حتى تعرف حرمته » ، فمثل التعبير ظاهر في العلم بمصداقيته للحرام وانطباق الحرام عليه ، وهو ظاهر في موارد الشبهة الموضوعية.

ولو تنزلنا عن هذه الدعوى ، فمفهومها للشبهة الحكمية لا يضر دلالتها

__________________

(١) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٠٠ ـ الطبعة الأولى.

(٢) قريب من هذا المضمون روايات باب : ٤ من أبواب ما يكتسب به ج ١١.

٨

على الإباحة في الشبهة الموضوعية ، وهو يكفينا في المقام لأنه المهم.

ومنها : رواية مسعدة بن صدقة التي استدل بها العلامة رحمه‌الله في التذكرة وهي قوله : « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثواب يكون عليك ولعله سرقة ، أو العبد يكون عندك ولعله حرّ قد باع نفسه أو قهر فبيع أو خدع فبيع ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة » (١).

هذا ، وقد تقدمت الإشارة إلى الإشكال في دلالتها على أصالة الإباحة والحلية ، باعتبار ان الموارد المذكورة في النص ليست من موارد إجراء أصالة الحل ، بل الحل فيها مستند إلى الأصول أو الأمارات الموضوعية كاليد في مثال الثوب والعبد ، بحيث انه لو لا هذا الأصل الموضوعي لكان الحكم فيها بحرمة التصرف لا بحليته ، لجريان أصالة بقاء الثوب على ملك مالكه الأول ـ في مثال الثوب ـ. وأصالة الحرية في الإنسان المشكوك ، أو أصالة عدم تأثير العقد الواقع عليه ، فان الأصل في المعاملات الفساد ـ في مثال العبد المشتري ـ. وكأصالة عدم تحقق الرضاع والنسب ـ في مثال الزوجة ـ فانه يستلزم الحلية ، ولو لا هذا الأصل لكان المعيّن الحكم بالحرمة لأصالة عدم تأثير العقد.

وقد صرّح الشيخ رحمه‌الله بهذا الإشكال ، كما تقدم منا ـ في مقام تحقيق الحال فيه ـ ان هذا الحديث بعد عدم إمكان حمله على ظاهره من إنشاء الحلية في جميع هذه الموارد وغيرها من موارد أصالة البراءة بإنشاء واحد ، فانه يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، يدور أمره بين احتمالين :

أحدهما : ان يكون إخبارا عن جعل الحلية في جميع موارد الشك فيها ، فيدل على جعل أصالة الحل لوجود المورد الفاقد لدليل يدل على الحلية غيرها.

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٢ ـ ٦٠ باب : ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث : ٤.

٩

والآخر : ان يكون اخبارا بعنوان الإشارة إلى ما هو المجهول المفروض جعله في الشريعة من أحكام تسهيلية (١).

وقد عرفت عدم دلالته ـ بناء على هذا الاحتمال ـ على جعل أصالة الحل.

وقد تقدم عدم ظهور الحديث في أحد الاحتمالين ، فيكون مجملا. فراجع تعرف.

وأما الجهة الثانية : فتحقيق الكلام فيها : أنه قد يدعى عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

ولا يخفى ان هناك موردا تنفي فيه هذه القاعدة وهو مورد الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص.

ولكن الوجه الّذي تنفي به القاعدة هناك لا يتأتى هنا ولا يرتبط بما نحن فيه.

فان الوجه المذكور هناك يرجع إلى بيان ان البيان المأخوذ في موضوع القاعدة ليس هو خصوص البيان الواصل بنفسه إلى العبد ، كي لا يجب على العبد الفحص لعدم وصول الدليل فيحكم العقل بالبراءة ، بل هو ما يعم الواصل وما هو في معرض الوصول ، لأن طريقة المولى ليست على إيصال كل حكم إلى المكلف بنفسه ، بل طريقته على إيصاله إلى بعض المكلفين ، فيصل إلى الجميع تدريجا بواسطة النقل ، وفي مثل ذلك لا يحكم العقل بقبح العقاب قبل الفحص واليأس عن الدليل.

ولا يخفى انه لا موضوع لهذا الوجه فيما نحن فيه لفرض العلم بالحكم ، فلو لم يتم هذا الوجه والتزم بإرادة البيان الواصل من موضوع القاعدة ، فهو حاصل فيما نحن فيه للعلم بالحكم الكلي. إذن فلا بد من كون منشأ الشك في جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعدم جريانها فيما نحن فيه أمرا آخر غير

__________________

(١) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٠١ ـ الطبعة الأولى.

١٠

تردد الأمر في كيفية البيان ، وانه البيان الواصل أو ما هو في معرض الوصول.

وإلا لما كان مجال للشك في عدم جريانها لفرض كون البيان واصلا للعلم بالحكم.

وعلى ما ذكرنا يظهر لك التسامح الواقع في بعض التقريرات لظهورها في تقريب وجه عدم جريان القاعدة فيما نحن فيه بما يذكر لتقريب عدم جريانها في الشبهات قبل الفحص (١).

فالوجه الّذي ينبغي ان يقال في تقريب عدم جريان القاعدة فيما نحن فيه هو : ان المعتبر في البيان المأخوذ في موضوع القاعدة هو بيان الحكم الشرعي الّذي يرتبط بالمولى. ولا يخفى ان ما يرتبط بالمولى هو الحكم الكلي ، أما الحكم الجزئي في المورد الخاصّ فهو أجنبي عن المولى ، وليس على المولى بيانه ، بل تشخيصه موكول إلى العبد نفسه. فما يلزم على المولى بيانه هو الحكم الكلي. والمفروض تعلق العلم به ، فيكون منجزا ، فلا بد من الخروج عن عهدته بترك المشكوك كونه من افراد الحرام الكلي. فهذا الوجه يرجع إلى تشخيص ما يلزم بيانه عما لا يلزم بيانه.

والوجه السابق يرجع إلى تشخيص كيفية البيان المأخوذ في الموضوع.

وقد تصدى الشيخ رحمه‌الله إلى ردّ هذا الوجه ، وأنه لا ينفع في إثبات الاحتياط في الشبهة الموضوعية (٢).

ولكن بيانه ـ في الشبهة التحريمية والوجوبية ـ لا يخلو عن إجمال ، بل هو أشبه بالدعوى بلا تنبيه على أساس النكتة التي بها يندفع هذا الوجه.

وقد أوضحه بصورة علمية المحقق النائيني ، فأفاد قدس‌سره : ان الحكم الكلي مجعول بنحو القضية الحقيقية ، فهو ينحل إلى أحكام متعددة بتعدد افراد

__________________

(١) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول ٢ ـ ٤٨٩ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٢١ ـ الطبعة الأولى.

١١

الموضوع الكلي. ولا يخفى ان الحكم الثابت على الموضوع المفروض الوجود انما يصير فعليا بفعلية موضوعه ، فإذا لم يكن موضوعه فعليا لم يكن الحكم كذلك ، إذ لا معنى للنهي الفعلي عن شرب الخمر غير الموجود ، وانما يعلق الحرمة على تقدير وجوده.

وعلى هذا فالعلم بفعلية الحكم يناط بالعلم بالموضوع ، فمع الشك في الموضوع يشك في فعلية الحكم ، فلا يكون منجزا ، لأن الحكم الّذي يتنجز بالعلم هو الحكم الفعلي. فالدليل العام المعلوم لا يستلزم سوى العلم بجعل الحكم على تقدير وجود الموضوع ، ولا يقتضي العلم بنفس الحكم المجعول. والّذي ينفع في مقام التنجيز هو العلم بالحكم الفعلي ، لا بأصل الجعل. إذن فالعلم بجعل الحكم الكلي لا يكون منجزا في مورد الشك في الموضوع (١).

وبذلك يتضح ما قرره قدس‌سره من ان التنجز يتقوم بالعلم بالكبرى والعلم بالصغرى ، ولا فائدة في العلم بالكبرى مع عدم العلم بالصغرى ، كما لا فائدة في العلم بالصغرى مع عدم العلم بالكبرى. فلاحظ.

ولعل هذا هو مراد الشيخ من ان الدليل على النهي العام لا يكون دليلا على تحريم الخمر المشكوك. فالتفت.

ثم ان الشيخ (٢) رحمه‌الله بعد ان تصدى لردّ الوجه المذكور تصدّى للنقض على القائل بموارد الشبهات الحكمية ، لوجود عمومات تدل على حرمة أمور واقعية يحتمل أن يكون المشتبه حكمه ـ كشرب التتن ـ منها ، كقوله تعالى :

( ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٣). وقوله : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ). ( الْخَبائِثَ ) (٤).

__________________

(١) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول ٣ ـ ٣٩٠ ـ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(٢) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٢١ ـ الطبعة الأولى.

(٣) سورة الحشر ، الآية : ٧.

(٤) سورة الأعراف ، الآية : ١٥٧.

١٢

ثم إن جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يختلف الحال فيه بين كون الشبهة تحريمية أو وجوبية ، فمثل ما لو دار أمر الفوائت بين الأقل والأكثر ، لا يتنجز عليه سوى وجوب الأقل.

وأما الزائد فلا عقاب عليه لعدم البيان. فما ذهب إليه البعض في المثال من عدم الرجوع إلى أصالة الاحتياط والتمسك بالبراءة في غير محله.

وقد ذكر الشيخ لبعض المحققين (١) تفصيلا في مثال الفوائت ، وهو أن المكلف ..

تارة : يعلم تفصيلا بمقدار الفوائت ثم يعرض عليه النسيان فلا يعلم انها كانت خمسة أو عشرة ـ مثلا ـ.

وأخرى : يكون جاهلا من أول الأمر بالمقدار ومترددا بين فوات الأقل والأكثر.

ففي الصورة الأولى يلزمه الاحتياط ، لتنجز ما علمه تفصيلا في حقه ولا يزول ذلك بعروض النسيان ، فانه ـ أي النسيان ـ لا يرفع الحكم الثابت بالإطلاق.

وفي الصورة الثانية لا يلزمه الاحتياط ، لعدم تنجز شيء في حقه سابقا يشك في براءة ذمته منه ، بل الّذي يعلم ثبوته في حقه هو الأقل لا غير.

ونفاه قدس‌سره : بأنه يظهر النّظر فيه مما ذكرناه سابقا (٢).

ولم يزد على هذا بقليل ولا كثير.

ومن الواضح انه ليس فيما تقدم من بيان جريان البراءة العقلية ما ينفى ما ادعاه ، من لزوم الخروج عن عهدة العلم التفصيليّ المنجز السابق.

فالتحقيق في جواب هذا التوهم هو : ان العلم تفصيليا كان أو إجماليا إنما

__________________

(١) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٣٤ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٣٤ ـ الطبعة الأولى.

١٣

يكون منجزا ما دام باقيا ، فإذا زال زال أثره.

وأشار الشيخ إلى ذلك في أول مبحث القطع بقوله : « ما دام موجودا » (١).

ويوضح ذلك في مبحث الاشتغال فيبين : ان العلم الإجمالي انما يكون منجزا إذا بقي ثابتا ولم يرتفع ، فلو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين ثم بعد حين زال علمه الإجمالي بان علم تفصيلا بطهارتهما أو بطهارة أحدهما أو بعدم وقوع النجاسة في أحدهما وان شك في نجاستهما بدوا ، لم يكن مجال لدعوى لزوم الاحتياط بملاحظة حدوث العلم الإجمالي (٢).

ولا يرد على هذا : بان لازمه عدم لزوم الاجتناب عن أحد الطرفين المعلوم نجاسة أحدهما إذا طهر الآخر لزوال العلم الإجمالي بالنجاسة. وذلك لأن التطهير إنما يرفع المعلوم بالإجمال بقاء ، أما حدوثا فلا ، فالعلم الإجمالي فعلا بنجاسة أحد الإناءين حدوثا ثابت ولم ينتف بالتطهير ، فيكون التنجيز بلحاظه ، فالمعتبر بقاء العلم لا المعلوم.

وإذا ظهر ذلك تعرف الحال في ما ذكره المحقق المزبور ، فان علمه التفصيليّ انما تلزم مراعاته ما دام موجودا. أما إذا زال كما هو الفرض فلا موضوع للتنجيز ، فليس عدم التنجيز لتقييد المطلقات ، بل لعدم موضوعه وهو العلم ، والعلم السابق لا ينفع في تنجيز الحكم لاحقا ، فلاحظ وتدبر.

وأما الجهة الثالثة : فتحقيق الكلام فيها : ان البراءة انما تجري في مورد الشك في التكليف الزائد ، سواء كان استقلاليا أو ضمنيا ، أو فقل انها انما تجري مع الشك في أصل التكليف أو في سعته وانبساطه على أمر خاص مع العلم بأصله ، كموارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، والسر في ذلك واضح ، لأن ما هو بيد

__________________

(١) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢ ـ الطبعة الأولى.

(٢) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول ـ ٢٥٠ ـ الطبعة الأولى.

١٤

الشارع رفعا ووضعا هو التكليف ، فيستطيع ان يرفعه من أصله كما بيده تضييق دائرة شموله وانبساطه وتوسيعها.

أما غير ذلك ، فليس مما يرجع إليه كي يصح له رفعه.

إذا تبين ذلك : فقد تقدم ان النهي ـ سواء كان عبارة عن الزجر عن الفعل أو طلب الترك ـ انما ينشأ عن مفسدة في متعلقه في قبال الأمر الّذي ينشأ عن مصلحة في متعلقه.

وعليه ، فهو لا يخرج عن أحد صور ثلاث ، لأن المفسدة ..

إما ان تكون في كل فعل على استقلاله فيكون النهي متعلقا بجميع الأفعال بنحو العموم الاستغراقي ، فيكون كل فعل محرما على حدة.

وإما أن تكون في مجموع الأفعال بنحو الارتباط ، فيكون النهي متعلقا بمجموع الأفعال ، ويلزمه تحقق الامتثال بترك أحد الأفعال ولو ترك فعل الباقي بأسره لتحقق ترك المجموع.

وأما ان تكون في صرف الوجود ، فيتعلق النهي به ويلزمه عدم تحقق الامتثال إلا بترك الجميع ، وقد تقدم منا ما يوضح ذلك. فراجع.

أما إذا كان النهي متعلقا بجميع الأفعال بنحو العموم الاستغراقي ، فمع الشك في شيء انه مصداق للمحرم كالشك في أن هذا المائع خمر أو خلّ ، تجري البراءة فيه ، لأنه يشك في تكليف مستقل تعلّق بهذا الفرد المجهول ، فتجري البراءة شرعا كما تجري فيه البراءة عقلا ، إذ قد عرفت أن العلم بالكبرى الكلية لا ينفي قاعدة قبح العقاب بلا بيان لعدم استلزامه للتنجيز.

وأما إذا كان النهي متعلقا بمجموع الأفعال ، فلا إشكال في صحة ارتكاب المشكوك مع اجتناب أحد الافراد المعلومة ، انما الإشكال في ارتكاب جميع الافراد المعلومة وترك المشكوك فقط ، فهل يصح أو لا؟. فقد قيل : بجريان البراءة في الأقل المعلوم فرديته فيصح ارتكابه ، ويتحقق الامتثال بترك المشكوك ، وذلك

١٥

لرجوع الشك إلى دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، والحكم فيه في باب التحريم يختلف عنه في باب الوجوب ، لدوران الأمر في تعلق الحرمة من تعلقها بخصوص الافراد المعلومة وتعلقها بالمجموع المركب منها ومن الفرد المشكوك ـ لو كان مصداقا للحرام واقعا ـ فهو يعلم بحرمة الأكثر إما لنفسه أو لحرمة الأقل في ضمنه.

أما الأقل ، فهو غير معلوم الحرمة لاحتمال ان يكون المشكوك مصداق الحرام ، فيتحقق ترك المجموع بتركه ، فيكون مجرى البراءة دون الأكثر ، على العكس في دوران الأمر بين الأقل والأكثر في باب الوجوب.

وهذا البيان غير سديد ، وذلك لأن المفروض ثبوت العلم بتعلق الحرمة بعنوان المجموع المشكوك تحققه بالأقل أو الأكثر ، فهو يعلم إجمالا اما بحرمة مجموع الأقل أو مجموع الأكثر ، والمطلوب هو إثبات انحلال هذا العلم ، وما أفيد لا يحقق الانحلال ، إذ أصالة البراءة في الأقل تعارضها أصالة البراءة من الأكثر لعدم العلم تفصيلا بحرمة الأكثر بما هو أكثر ، فلا انحلال بخلاف موارد الوجوب ، فانه يعلم تفصيلا بوجوب الأقل ـ عند دوران الأمر بين وجوبه ووجوب الأكثر ـ على كل تقدير ، وهو يمنع من تنجيز العلم الإجمالي ـ على ما قيل ـ إذن فمقتضى الاشتغال بالتكليف المزبور هو عدم الاكتفاء بالمشكوك عند ارتكاب غيره ، لعدم العلم بتحقق الامتثال بذلك.

وأما إذا كان النهي متعلقا بصرف وجود الفعل ..

فمع الشك في مصداقية شيء للحرام قد يلتزم بالبراءة ..

إما لأجل الشك في صدق أول الوجود عليه ليكون حراما ، فيكون مشكوك الحرمة والمرجع فيه البراءة.

وإما لأجل الشك في كون المكلف في ضيق من التكليف فيه ، والبراءة تتكفل رفع الضيق على المكلف ونفيه.

١٦

ولكن الحق هو جريان قاعدة الاشتغال وفاقا لصاحب الكفاية (١) ـ كما تقدم ـ ، وعدم تمامية ما قيل في وجه إجراء البراءة سواء كان النهي عبارة عن الزجر عن الفعل أو كانت عبارة عن طلب الترك.

أما إذا كان عبارة عن الزجر عن الفعل ، فلأن النهي تعلق بصرف وجود الفعل وهو أول وجوده ، وهو معلوم بحدوده وقيوده ، وإنما الشك في انطباق صرف الوجود المعلوم بحدّه على هذا الفرد المشكوك. ومن الواضح ان كون هذا الفرد من افراد الحرام واقعا لا يستلزم سعة في التكليف وزيادة فيه ، كما ان عدم كونه من افراده واقعا لا يستلزم نقصا في دائرته ، كما لو أوجد شخص فردا للخمر أو أتلفه ، فان الإيجاد لا يستلزم سعة التكليف ، كما ان إتلاف الفرد لا يستلزم ضيقه بعد ان كان النهي عن صرف الوجود ، إذ لا ربط لانطباق متعلق التكليف المعلوم بمفهومه على فرد وعدم انطباقه بالتكليف زيادة ونقيصة.

وإذا تبين ذلك ، فلا مجال لإجراء البراءة فيه لعدم تعلق التكليف به ، ولا يكون ثبوت الحكم له على تقدير كونه من أفراد الحرام مستلزما لسعة التكليف وزيادته عما كان معلوما. وقد عرفت ان البراءة إنما تجري فيما إذا كان الشك في أصل التكليف أو زيادته وسعته. وعليه فمقتضى قاعدة الاشتغال لزوم اجتنابه ، ليعلم بترك صرف الوجود فيعلم بالامتثال.

وأما إذا كان عبارة عن طلب الترك ـ كما فرضه العراقي قدس‌سره ـ فقد يتخيل جريان البراءة للشك في سعة التكليف ، لأن الشك في كون هذا فردا للحرام يلازم الشك في أن تركه مشمول للطلب أولا ، فيرجع الشك إلى الشك في سعة التكليف وانبساطه على ترك المشكوك.

ولكن فيه : ان الالتزام بان النهي عبارة عن طلب الترك والعدم مع كونه

__________________

(١) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٣٥٣ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٧

مخالفا لظاهر النهي في كونه زجرا عن الفعل وردعا عنه ، إنما هو من جهة عقلية ، وهي ما تقدم من ان التكليف لتحريك الإرادة ، والمتصور في باب النهي هو تحريك الإرادة في عدم الفعل لا في نفسه. ولا يخفى ان هذا المعنى يرجع إلى ان المطلوب في موارد النهي هو عدم إعمال الإرادة في الفعل. ولا يخفى ان عدم إعمال الإرادة في صرف وجود الفعل لازم للترك المستمر بين المبدأ والمنتهى ، فليس المطلوب هو الترك بنفسه ، بل ما هو لازمه.

وعليه ، فالشك في فردية أمر للحرام لا يستلزم الشك في سعة التكليف ، لأن متعلقه أمر بسيط لازم للمتروك ، فلا يكون مجرى للبراءة. وإنما المحكم هو قاعدة الاشتغال تحصيلا للفراغ اليقيني. فتدبر.

يبقى الكلام فيما أفاده صاحب الكفاية رحمه‌الله من وجود أصل موضوعي ـ في بعض الأحيان ـ ينقح الإتيان بمتعلق التكليف ، فيكون حاكما على قاعدة الاشتغال أو واردا عليها.

كما إذا كان المكلف مسبوقا بترك صرف الوجود ، فانه مع إتيانه بالمشكوك يشك أنه بعد تارك لصرف الوجود أولا ، فيستصحب كونه تاركا لصرف الوجود ويثبت به الامتثال (١).

وهذا الأصل بهذه الصورة أنما يتأتى فيما لو كان الطلب متعلقا بالترك بعنوانه ، اما إذا كان مرجع الطلب إلى طلب عدم إعمال الإرادة في الفعل ، فاستصحاب الترك لا يجدي ، لأنه ـ أي الترك ـ من لوازم متعلق التكليف لا نفسه.

ولكن يمكننا ان نلتزم بإجراء الاستصحاب في نفس متعلق التكليف المفروض ، وهو عدم إعماله الإرادة في الفعل ، لأنه متيقن الثبوت مشكوك الارتفاع.

__________________

(١) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول ـ ٣٥٣ ـ طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام.

١٨

وبالجملة : يجري الاستصحاب في متعلق التكليف كيف ما فرض ، لأنه متيقن الثبوت مشكوك الارتفاع. فتدبر.

هذا تمام الكلام في الشبهة الموضوعية.

١٩
٢٠