جواهر الكلام - ج ٤١

الشيخ محمّد حسن النّجفي

جواهر الكلام - ج ٤١

المؤلف:

الشيخ محمّد حسن النّجفي


المحقق: الشيخ محمود القوچاني
الموضوع : الفقه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٧
الصفحات: ٦٩٦
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

٥

٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

‌كتاب الشهادات

في الكتاب (١) والسنة (٢) ذكرها وذكر أحكامها : جمع شهادة ، وهي لغة : الحضور ، ومنه قوله تعالى (٣) ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ ) أو العلم الذي عبر بعضهم عنه بالاخبار عن اليقين ، وشرعا إخبار جازم عن حق لازم للغير واقع من غير حاكم ، وقد تقدم لنا في كتاب القضاء (٤) كلام في ذلك وأن المرجع فيها العرف الذي يصلح فارقا بينها وبين غيرها من الأخبار ، ويأتي إن شاء الله.

نعم في المسالك وغيرها « أن بالقيد الأخير يخرج إخبار الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة عليهم‌السلام وإخبار الحاكم حاكما آخر ، فان ذلك لا يسمى شهادة ».

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ ـ الآية ٢٨٢ وسورة النساء : ٤ ـ الآية ٦ و ١٥ وسورة النور : ٢٤ ـ الآية ٤ و ٦ و ١٣ وسورة الطلاق : ٦٥ ـ الآية ٢.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ وغيره من كتاب الشهادات.

(٣) سورة البقرة : ٢ ـ الآية ١٨٥.

(٤) راجع ج ٤٠ ص ١٠٧.

٧

وفيه منع عدم تسمية الأخير شهادة ، ولو قيل بخروج إخباره بالحق حال إرادة إنشاء الحكم به لكان أولى ، ضرورة عدم تسمية مثله شهادة عرفا ، من غير فرق بين الحاكم وغيره ، اللهم إلا أن يقال : إن ذلك من نحو إخباره بالأحكام الشرعية ، فإنها ليس شهادة قطعا ، والأمر سهل بعد معلومية كون مرجع هذا التعريف إلى تحقيق المعنى العرفي للشهادة.

ومن هنا كان الأصوب إيكال ذلك إلى العرف ، للقطع بعدم معنى شرعي مخصوص لها ، والغالب في المعاني العرفية عدم إمكان ذكر حد تام لها شامل لجميع أفرادها ، ولذا أطنب القمي في قوانينه بعد أن ذكر التعريف المزبور عن أول الشهيدين في قواعده ، وذكر عنه الإشكال في بعض الأفراد أنها شهادة أو رواية ، كرؤية الهلال والمترجم والمقوم والقاسم والمخبر عن طهارة الثوب والقبلة والوقت بعد أن جعل موضوع الشهادة الأمر المخصوص وموضوع الرواية الأمر العام ، وأطال في النقض عليه وتحرير كلامه ، ولكنه لم يأت بالمميز العام بينهما ، حتى ارتكب تأصيل أصل غير أصل للأحكام المترتبة عليها من اعتبار التعدد ونحوه.

والأولى ما ذكرناه من إيكال الفرق بينهما إلى العرف ، فكل ما عد فيه أنه من الشهادة اعتبر فيه التعدد وغيره من الأحكام الثابتة لها ، وإلا كان من غيرها ، والظاهر وفاء العرف بذلك من غير مدخلية لاعتبار الحاكم وغيره من القيود المزبورة ، والله العالم.

( و ) كيف كان فـ ( ـالنظر ) يقع ( في أطراف خمسة ) :

٨

( الأول )

( في صفات الشهود )

( ويشترط ستة أوصاف : الأول البلوغ ، فلا تقبل شهادة الصبي ) غير المميز إجماعا بقسميه ولا غيره ( ما لم يصر مكلفا ) في غير الدماء.

( وقيل : تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا ، وهو متروك ) بل اعترف غير واحد بعدم معرفة القائل به وإن نسب إلى الشيخ في النهاية ، ولكنه وهم.

نعم يدل عليه ـ مضافا إلى إطلاق الشهادة كتابا (١) وسنة (٢) وأولوية غير الدم منه ـ قول أمير المؤمنين عليه‌السلام في خبر طلحة ابن زيد (٣) « شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم » ‌وخبر أبي أيوب الخراز (٤) « سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال : إذا بلغ عشر سنين ، قال : قلت : ويجوز أمره؟ فقال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين ، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة ، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته ».

__________________

(١) راجع التعليقة (١) من ص ٧.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ وغيره من كتاب الشهادات.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٦.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٣.

٩

وفيه أن الإطلاق بالتبادر وغيره مخصوص بالبالغ ، ومعارض بعموم كثير من النصوص الدالة على اعتبار أمور كثيرة في الشاهد منفية في الصبي قطعا كالعدالة ونحوها ، ومنع الأولوية المزبورة.

والخبران ـ مع ضعف سنديهما ولا جابر ـ محتملان للحمل على الصورة الآتية ، على أن الثاني منهما لم يسند إلى معصوم ، بل لا يخفى عليك ما في متنه ، فان حكم الرجل والمرأة لا يجب أن يكون واحدا في كل شي‌ء ، ألا ترى إلى الأمر الذي جعل جامعا؟ فان صاحب العشر سنين من الرجال لا يتأتى منه النكاح غالبا ، ومع ذلك كله معارضان بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبار البلوغ في قبول شهادة الصبيان التي تحملوها حال الصغر (١) وعلى عدم قبول شهادتهم إلا في القتل (٢) كما ستسمع ، ولا ريب في رجحانها عليها من وجوه : منها سلب عباراته ، حتى أنه لا يقبل إقراره على نفسه ، ومنها عدم الوثوق بقوله ، لعلمه بعدم مؤاخذته على الكذب ، ولعل حملهما على إرادة بيان إمكان جواز أمر الغلام بالعشر لاحتلام ونحوه أو في الجملة ولو من الدماء أولى.

وعلى كل حال ففي المسالك أنه نقل جماعة منهم الشيخ فخر الدين الاتفاق على عدم قبول شهادة من دون العشر حتى في الدم ، وإنما الخلاف في من زاد عن ذلك وإن كنا لم نتحققه ، بل في الكفاية أن الموجود في الإيضاح أن من لم يبلغ العشر لا تقبل شهادته في غير القصاص والقتل والجراح إجماعا ، وظاهره عدم الإجماع على ذلك في القتل والجراح ، وربما كان ظاهر جملة من العبارات التي جعل فيها العنوان الصبي ، كما عن الخلاف والإسكافي.

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٢١ ـ من كتاب الشهادات.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات.

١٠

( و ) كيف كان فقد ( اختلفت عبارات الأصحاب في قبول شهادتهم في الجراح والقتل ) تبعا لاختلاف النصوص ( فروى جميل ) في‌الحسن كالصحيح (١) ‌عن أبي عبد الله عليه‌السلام ( تقبل شهادتهم في القتل ويؤخذ بأول كلامهم ) قال : « قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : تجوز شهادة الصبيان ، قال : نعم في القتل ، يؤخذ بأول كلامه ، ولا يؤخذ بالثامنة » ‌( ومثله ) ‌روى محمد بن حمران عن أبي عبد الله عليه‌السلام أيضا بطريق فيه العبيدي عن يونس (٢) قال : « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن شهادة الصبي ، قال :فقال : لا إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه ، ولا يؤخذ بالثاني ».

( وقال الشيخ في النهاية : تقبل شهاداتهم في الجراح والقصاص وقال في الخلاف : تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا إذا اجتمعوا على مباح ) بل اقتصر غير واحد كالمصنف في النافع وغيره على الجراح ، بل هو معقد إجماع محكي الخلاف والانتصار بل والغنية ، لكن زيد فيها الشجاج ، كما زيد في محكي المقنعة والمراسم والجامع ، نعم عن النهاية كما سمعت والسرائر والوسيلة الشجاج والقصاص ، ويمكن اتحاد المراد في الجميع بدعوى إرادة ما يشمل القتل من الجراح والشجاج وبالعكس ، خصوصا بعد النظر إلى استدلال من عبر بالجراح بنصوص القتل (٣) كما عن الانتصار والغنية إلا أنه في التحرير والدروس قد صرح باشتراط أن لا يبلغ الجراح النفس.

ولكن قد يشكل بأن النصوص في القتل كالخبرين السابقين وفي ما كتبه‌الرضا عليه‌السلام في العلل التي كتبها لمحمد بن سنان (٤) في شهادة‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ١.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٢.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٢٤ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٥٠.

١١

النساء « لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة ، مثل شهادة القابلة وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه كضرورة تجوز شهادة أهل الكتاب إذا لم يكن غيرهم ، وفي كتاب الله عز وجل (١) ( اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) ـ أي مسلمين ـ ( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) » كافرين ، ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم ».

وفي‌خبر السكوني (٢) عن الصادق عليه‌السلام أنه « رفع إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد منهم ، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه ، وشهد اثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فقضى بالدية ثلاثة أخماس على الاثنين وخمسين على الثلاثة » ‌ومن هنا أشكله في المسالك بأن مراعاة النصوص تقتضي دخول القتل ، وطرحها يقتضي إخراج الجراح أيضا.

بل من ذلك ينقدح النظر في مختار المصنف ، فإنه قال ( والتهجم على الدماء بخبر الواحد خطر ، فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح ) بناء على إرادة ما لا يشمل القتل من الجراح في كلامه ( بالشروط الثلاثة : بلوغ العشر وبقاء الاجتماع إذا كان على مباح ) لغيرهم كالرمي ونحوه ( تمسكا بموضع الوفاق ).

اللهم إلا أن يقال : إن مقصود المصنف طرح النصوص والرجوع إلى الإجماع ، والمتيقن منه الجراح بالشروط الثلاثة ، إذ قد عرفت اختلاف الأصحاب في التعبير عن ذلك ، ولعل ذلك أيضا الوجه في ما سمعته من التحرير والدروس ، ضرورة عدم انحصار الدليل في النصوص المزبورة ، بل يمكن طرحها والرجوع إلى إجماع الأصحاب ، والمتيقن من جهة الاختلاف المزبور الجراح مع الشروط الثلاثة.

__________________

(١) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ١٠٦.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٢ ـ من أبواب موجبات الضمان ـ الحديث ١ من كتاب الديات.

١٢

نعم قد يناقش فيه بمنع كون ذلك هو المتيقن ، بل لا بد مع ذلك من اعتبار أن لا يوجد غيرهم كما سمعته عن الرضا عليه‌السلام في ما كتبه لمحمد بن سنان (١) واعتبار الأخذ بأول كلامهم الذي حكاه في كشف اللثام عن الشيخين في المقنعة والنهاية والمرتضى وسلار وبني حمزة وزهرة وإدريس ويحيى والمصنف في النافع ، وجعله في التحرير والدروس رواية ، بل هو أولى من الاجتماع على المباح الذي قد اعترف غير واحد بعدم معرفة دليله بخلافه ، فإنك قد عرفت اشتمال الخبرين المزبورين (٢) عليه. ودعوى استفادته من فحوى العلة التي في البالغين كما ترى. بل وأولى من الشرطين الآخرين اللذين قد عرفت ضعف سند دليلهما.

بل قد يناقش أيضا باحتمال اختصاص الحكم المزبور في ما بينهم ، كما هو مقتضى المحكي من عبارة الخلاف وخبر طلحة المتقدم (٣) بل يمكن تنزيل إطلاق كثير من الأصحاب عليه ، بل قد يؤيده في الجملة خبر السكوني (٤) السابق المشتمل على الدية ، بل بناء على فهم القيدية منه يدل على عدم قبول شهادتهم على غيرهم ، فيتجه الجمع حينئذ بينه وبين الخبرين (٥) المزبورين بالإطلاق والتقييد.

بل منه ينقدح حينئذ اختصاص قبول شهادتهم في الدية ، لأن عمدهم خطأ ، وهذا هو المناسب لعدم التهجم على الدماء بشهادتهم على وجه يقتص بها من البالغين في نفس أو طرف ، كما أنه المناسب لشدة الأمر في الدماء وعدم إبطالها ، فيختص حينئذ قبول شهادتهم في ما بينهم‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٢٤ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٥٠.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ١.

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٦.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٢ ـ من أبواب موجبات الضمان ـ الحديث ١ من كتاب الديات.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ٢٢ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٢.

١٣

لإيجابها الدية ولو كان المشهود به القتل ، ولعل ذلك هو الموافق للنصوص وغيرها ، ضرورة أن رفع اليد من القتل وقصر الحكم على الجراح الذي لم يصل إلى حد القتل مع اشتمال الخبرين المعتبرين اللذين هما الأصل في هذا الحكم المفتي به عند الأصحاب عليه مما لا وجه له ، على أن الجراح الذي يشهدون به قد يسري إلى النفس.

ودعوى بطلان شهادتهم حينئذ واضح البطلان ، بل رفع اليد عن ذلك شبيه رفع اليد عن النصوص والفتاوى ، والقول بعدم قبول شهادة الصبيان في قتل أو جراح للأصول والعمومات المقتضية عدم قبول شهادة غير البالغ لفقد وصف العدالة وغيرها ، كما يحكى عن فخر المحققين ، وربما مال إليه بعض الناس. لكن لا يخفى عليك ما فيه من إمكان دعوى منافاته للمقطوع به من النصوص والفتاوى ، بل نفى الخلاف غير واحد عن قبول شهادتهم في الجناية في الجملة كما حكى الإجماع على ذلك غير واحد أيضا ، بل يمكن دعوى تحصيله.

وبذلك كله ظهر لك أن ما ذكرناه هو الأقوى وإن قل المصرح به لكن لا وحشة مع الحق وإن قل القائل به ، على أنك قد عرفت اختصاص عبارة الشيخ الذي هو الأصل في إخراج الفروع من أصولها بجناية بعضهم على بعض ، وأنه يمكن تنزيل إطلاق غيره عليه.

بل من ذلك ينقدح النظر في ما ذكره غير واحد من أن الوجه في الشرط الثالث الاقتصار على المتيقن في أمر الدماء ، إذ قد عرفت أن الأمر راجع إلى مال وإن تعلق بالدماء ، فيتجه حينئذ اعتبار ما اقتضته الأدلة المعتبرة دون غيره مما ينفيه إطلاقها ، كما أنه بان لك النظر في كثير من الكلمات المسطورة في هذا المبحث.

وعلى كل حال فظاهر النصوص والفتاوى اختصاص الحكم‌

١٤

في شهادة الصبيان دون الصبية الباقية على مقتضى الأصول والعمومات الدالة على عدم قبول شهادتها.

الوصف ( الثاني : كمال العقل ، فلا تقبل شهادة المجنون ) المطبق ( إجماعا ) بقسميه ، بل ضرورة من المذهب أو الدين على وجه لا يحسن من الفقيه ذكر ما دل على ذلك من الكتاب والسنة.

( أما من يناله الجنون أدوارا فـ ) ـهو كالمطبق حال جنونه نعم ( لا بأس بشهادته في حال إفاقته ) لاندراجه في الأدلة حينئذ كتابا (١) وسنة (٢) ( لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه واستكمال فطنته ) وإلا طرح شهادته بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك بل ولا إشكال ، بل صريح كشف اللثام اعتبار ذلك حال التحمل والأداء ، وفيه أن المعتبر الثاني ، إذ العدالة والضبط والتيقظ ترفع القدح فيه وإن كان قد تحملها في حال جنونه ، مضافا إلى تناول إطلاق أدلة قبولها له.

( وكذا من يعرض له السهو غالبا فربما سمع الشي‌ء وأنسى بعضه فيكون ذلك مغيرا لفائدة اللفظ وناقلا لمعناه ) كما شاهدناه في بعض الأولياء ( فحينئذ يجب الاستظهار عليه حتى يستثبت ما يشهد به ) على وجه يطمئن الحاكم بعدم غفلته في ما شهد به ولو لكون المشهود به مما لا يسهى فيه ، بل عبارة المتن والقواعد وغيرهما صريحة في اعتبار يقين الحاكم بذلك ، لكنه لا يخلو من إشكال.

( وكذا المغفل الذي في جبلته البله فربما استغلط ، لعدم تفطنه لمزايا الأمور و ) تفاصيلها ويدخل عليه الغلط والتزوير من حيث لا يشعر‌

__________________

(١) راجع التعليقة (١) من ص ٧.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ١ ـ وغيره من كتاب الشهادات.

١٥

فـ ( ـالأولى ) بل الواجب ( الاعراض عن شهادته ما لم يكن ) المشهود به من ( الأمر الجلي الذي يتحقق الحاكم استثبات الشاهد به وأنه لا يسهو في مثله ) وفي الخبر (١) عن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام في قوله تعالى (٢) ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) قال : « ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقظه في ما يشهد به وتحصيله وتمييزه فما كل صالح مميز محصل ولا كل مميز صالح ».

الوصف ( الثالث : الايمان ) بالمعنى الأخص الذي هو الإقرار بإمامة الأئمة الاثني عشر عليهم‌السلام ( فلا تقبل شهادة غير المؤمن وإن اتصف بالإسلام لا على مؤمن ولا على غيره ) إلا ما ستعرف ( لاتصافه بـ ) ـالكفر فضلا عن ( الفسق والظلم المانع من قبول الشهادة ) بلا خلاف أجده فيه ، بل عن جماعة الإجماع عليه ، بل لعله من ضروري المذهب في هذا الزمان ، للأصل بعد اختصاص إطلاقات الكتاب والسنة ولو للتبادر وغيره بالمؤمن ، خصوصا نحو ( رِجالِكُمْ ) (٣) و ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ) (٤) بناء على المعلوم من مذهب الإمامية من اختصاص الخطاب بالمشافهين دون غيرهم ، وليس المخالف بموجود في زمن الخطاب ولو سلم العموم فقد عرفت الخبر (٥) المفسر لقوله تعالى ( تَرْضَوْنَ ) برضا دينه ، ولا ريب في كونه غير مرضي الدين.

هذا كله على القول بإسلامه أما على القول بالكفر كما هو مذهب جماعة قد حكى بعضهم الإجماع عليه فلا إشكال في عدم قبول شهادته لكفره ، فلا يدخل في إطلاق ما دل (٦) على شهادة المسلم ، ولو سلم فهو‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٤١ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٢٣.

(٢) سورة البقرة : ٢ ـ الآية ٢٨٢.

(٣) سورة البقرة : ٢ ـ الآية ٢٨٢.

(٤) سورة البقرة : ٢ ـ الآية ٢٨٢.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ٤١ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٢٣.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ٤١ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ١٨ و ٢٢.

١٦

معارض بإطلاق ما دل على عدم قبول شهادة الكافر ، بناء على أن إطلاق الكفر عليهم لكونهم كفارا حقيقة ، أو لجريان أحكامهم عليهم التي منها عدم قبول الشهادة ، ولو سلم التعارض فالرجوع إلى الأصل متعين.

كل ذلك مضافا إلى ما ورد في النصوص من لعن المخالفين والدعاء عليهم (١) وأنهم مجوس هذه الأمة (٢) وشر من اليهود والنصارى (٣) وأنهم لغير رشدة (٤).

وبالجملة لا يمكن إحصاء وجوه الدلالة في النصوص على عدم قبول شهادتهم : منها إطلاق الكفر ، ومنها الفسق ، ومنها الظلم ، ومنها كونهم غير رشدة ، ومنها رد شهادة الفحاش وذي المخزية في الدين ، ومنها ممن ترضون دينه وأمانته ، ومنها اعتبار العدالة التي قد ذكر في النصوص (٥) ما هو كالصريح في عدم تحققها في مخالفي العقيدة إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة بل الصريحة عند متتبعي آثارهم والعارفين بلسانهم ولحن خطابهم ورمزهم ، وخصوصا في الأمر المخالف للتقية إذا أرادوا الجمع بينها وبين الواقع.

ولعل من ذلك ما في‌الصحيح (٦) « قلت للرضا عليه‌السلام : رجل طلق امرأته وأشهد شاهدين ناصبيين ، قال : كل من ولد على فطرة الإسلام وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته » ‌إذ من المعلوم عدم إرادته بذلك بيان قبول شهادة الناصب الذي هو كافر بلا خلاف‌

__________________

(١) البحار ـ ج ٢٧ ص ٢٢٢ و ٢٢٨ و ٢٣٥.

(٢) راجع ج ٣٦ ص ٩٤ التعليقة (٢).

(٣) الوسائل ـ الباب ـ ١١ ـ من أبواب الماء المضاف ـ الحديث ٥ من كتاب الطهارة.

(٤) البحار ـ ج ٢٧ ص ١٤٧ ـ الرقم ٩ وص ١٥٦ الرقم ٣٠.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ٤١ ـ من كتاب الشهادات.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ٤١ ـ من كتاب الشهادات ـ الحديث ٥.

١٧

ولا إشكال ، بل ‌قوله عليه‌السلام : « كل من ولد على فطرة الإسلام » ‌إلى آخره كالصريح في إرادة الشيعة ولو بضميمة‌قولهم عليهم‌السلام (١) : « ما على فطرة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا » ‌على أن معرفة الصلاح في نفسه لا يكون إلا في الشيعة ، بخلاف المخالفين الذين هم عين الفساد.

هذا ولكن في المسالك بعد أن اعترف أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على اشتراط الايمان ، قال : « وينبغي أن يكون هو الحجة » ثم ذكر الاستدلال بصدق الفاسق والظالم عليه إلى أن قال : « وفيه نظر ، لأن الفسق إنما يتحقق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية ، أما مع عدمه بل مع اعتقاده أنها طاعة بل من أمهات الطاعات فلا ، والأمر في المخالف للحق في الاعتقاد كذلك ، لأنه لا يعتقد المعصية ، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات ، سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد ، ومع ذلك لا يتحقق الظلم أيضا ، وإنما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه به ، وهذا لا يكاد يتفق وإن توهمه من لا علم له بالحال والعامة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الأصول ما لم يبلغ خلافه حد الكفر أو يخالف اعتقاده دليلا قطعيا بحيث يكون اعتقاده ناشئا من محض التقصير ، والحق أن العدالة تتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم ، ويحتاج في إخراج بعض الأفراد للدليل ، وسيأتي في شهادة أهل الذمة في الوصية ما يدل عليه وعلى ما ذكره المصنف من فسق المخالف ، فاشتراط الايمان بخصوصه مع ما سيأتي من اشتراط العدالة لا حاجة إليه ، لدخوله فيه ».

وهو من غرائب الكلام المخالف لظاهر الشريعة وباطنها ، إذ من‌

__________________

(١) الوسائل ـ الباب ـ ٤ ـ من أبواب الأنفال ـ الحديث ١٤ من كتاب الخمس.

١٨

ضرورة المذهب عدم المعذورية في أصول الدين التي منها الإمامة ، بل ما حكاه من العامة لا يوافق ما ذكره ، ضرورة المخالفة في الفرض للدليل القطعي الناشئ عن تقصير ، ومن الغريب دعوى معذورية الناشئ اعتقاده عن تقليد ، وبالجملة لا يستأهل هذا الكلام ردا ، إذ هو مخالف لأصول الشيعة ، ومن هنا شدد النكير عليه الأردبيلي ، وفي كشف اللثام أنه من الضعف بمكانة.

نعم في الرياض « وأما الجواب عن الاستدلال بالفسق والظلم بأن الفسق إنما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به فحسن إن اختير الرجوع في بيان معنى الفسق والظلم إلى العرف ، حيث إن المتبادر منهما مدخلية الاعتقاد في مفهومهما ، وأما إن اختير الرجوع إلى اللغة فمنظور فيه ، لعدم مدخلية الاعتقاد في مفهومهما فيها » معرضا بما سمعته منه.

وقد عرفت أن التدبر في مجموع كلامه يقتضي نفيه المعصية ، وليس مبنى كلامه على إطلاق اسم الفسق والظلم عليهما ، وإلا فلا وجه للنظر بناء على ما ذكره ، ضرورة تقدم المعنى العرفي على اللغوي ، نعم المتجه منع عدم صدق الفاسق على المخالف في العقيدة والفرض عدم معذوريته في الاعتقاد المزبور الذي دخل به في قسم الكافرين فضلا عن الفاسقين والظالمين وأي فسق أعظم من فساد العقيدة التي لم يعذر صاحبها ، وعلى كل حال فلا تقبل شهادة غير المؤمن.

( نعم تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية ) كذلك ( إذا لم يوجد من عدول المسلمين ، من يشهد بها ) للكتاب (١) والسنة (٢)

__________________

(١) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ١٠٦.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٤٠ ـ من كتاب الشهادات والباب ـ ٢٠ ـ من كتاب الوصايا.

١٩

والإجماع بقسميه كما فصلنا ذلك في كتاب الوصايا (١).

( ولا يشترط ) في ذلك ( كون الموصى في غربة ) كما عن المتأخرين وظاهر أكثر القدماء ، بل لعل قول المصنف هنا كالمحكي عن التحرير ( وباشتراطه رواية مطرحة ) مشعر بالإجماع عليه ، وأراد بالرواية‌خبر حمزة بن حمران (٢) عن الصادق عليه‌السلام « اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب ، وإنما ذلك إذا كان الرجل المسلم في أرض غربة فيطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين أشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما » ‌وعن الإسكافي والحلبي صريحا والمبسوط والغنية ظاهرا العمل بها ، بل ربما يفهم من الأخيرين الإجماع عليه.

ولكن الأقوى في النظر ورود ذلك فيها ـ كالآية (٣) وغيرها من نصوص (٤) المسألة ـ مورد الغالب ، فلا تعارض إطلاق كثير من النصوص (٥) بل في الرياض وعموم جملة معتبرة منها باعتبار تضمنها التعليل‌(٦) بأنه « لا يصلح ذهاب حق أحد » ‌ولا أقل من التعارض بين مفهوم التعليل وبين مفهوم الحصر والشرط ، ولا ريب في أن الترجيح للأول ولو للشهرة العظيمة ، وإن كان فيه ما فيه ، ضرورة عدم كون ذلك علة يرجع إليها ، بل هي من الحكمة ولكن ما عرفته سابقا كاف في إثبات المقصود ، مضافا إلى ما يظهر بالتأمل الجيد في نصوص المسألة من عدم مدخلية السفر في ذلك ، فلاحظ وتأمل.

__________________

(١) راجع ج ٢٨ ص ٣٤٧ ـ ٣٥٢.

(٢) الوسائل ـ الباب ـ ٢٠ ـ من كتاب الوصايا ـ الحديث ٧.

(٣) سورة المائدة : ٥ ـ الآية ١٠٦.

(٤) الوسائل ـ الباب ـ ٢٠ ـ من كتاب الوصايا ـ الحديث ٧.

(٥) الوسائل ـ الباب ـ ٢٠ ـ من كتاب الوصايا.

(٦) الوسائل ـ الباب ـ ٢٠ ـ من كتاب الوصايا.

٢٠