🚘

بحوث في علم الأصول - ج ٢

السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي

بحوث في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: المجمع العلمي للشهيد الصدر
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٤٢
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على قائد البشرية الصالحة محمد « ص » وعلى آله الميامين.

وبعد فهذا هو الجزء الثاني من بحوث علم الاُصول التي ألقاها سيدنا ومولانا الأعظم شهيد الاسلام الغالي آية الله العظمى السيد الصدر قدّس سرّة وهو يشتمل على بحوث الأوامر من مباحث الدليل اللفظي.

وحيث انّ الله سبحانه وتعالى قدّر أن تخرج هذه البحوث الى النشر بعد استشهاد أستاذنا الكبير وافتقادنا لذلك الطود الشامخ للعلم والهدى والذي ثلم بفقده الدين والعلم ثلمة ما أعظمها وأشدّها على قلب إمام العصر أرواحنا فداه وكنت عند كتابتي لهذه البحوث أسجّل خواطر كانت تخطر ببالي القاصر حول بعض نقاط البحث لكي تسنح فرصة استفسار السيد الأستاذ عنها لتهذيبها واضافتها الى الأصل كما فعلت ذلك في بحوث الجزء الأول وبحوث تعارض الأدلة ولكن شاءت ارادة الله سبحانه أن نحرم من وجوده الشريف ونمنى بالصيبة العظمى التي نسأل الله أن يلهمنا وجميع المؤمنين القوة على تحمّلها والصبر عليها فرأيت ان أهذّب بنفسي تلك الخواطر وأثبتها على الهوامش عسى أن ينتفع بها الباحثون ؛ وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

محمود الهاشمي

١٥ ظ ذي القعده ١٤٠٥ هجرية

قم المقدمة

٥

٦

بحوث الأوامر

ـ دلالات مادة الأمر

ـ دلالات صيغة الأمر ـ مبحث الاجزاء

ـ مقدمة الواجب

ـ مبحث الضد

ـ حالات خاصة للأمر

ـ كيفيات تعلق الأمر

٧
٨

بحوث الأوامر

دلالات مادة الأمر

ـ معاني مادة الأمر

ـ توحيد معاني المادة

ـ دلالتها على العلو والاستعلاء

ـ دلالتها على الوجوب

ـ ملاك دلالتها على الوجوب

ـ دلالتها على الطلب والإرادة

ـ الجبر والاختيار

٩
١٠

مادة الأمر

ويراد بها كلمة « الأمر » ويقع البحث عنها في جهات.

« الجهة الأولى ـ في معنى الأمر » وقد ذكر لها معان عديدة منها الطلب والشيء والفعل والحادثة والغرض والشيء العجيب.

ولا شك في ان الطلب من معانيها (١) وأما سائر المعاني فكثير مما ذكر منها ليس معنى له ، وانما يستفاد في موارد استعماله من دوال وخصوصيات أخرى خارجة عن كلمة الأمر من قبيل استفادة الغرض من اللام في قولنا : جئتك لأمر كذا ، فيكون من اشتباه المفهوم بالمصداق. ومن هنا جاءت في كلمات المحققين محاولتان : إحداهما تحاول إرجاع معاني الأمر غير الطلب إلى معنى واحد فيكون مشتركا لفظيا بين معنيين ، والأخرى تحاول إرجاعها جميعا إلى معنى واحد.

أمّا المحاولة الأولى ـ فهي التي جاءت في كلمات المحقق الخراسانيّ ( قده ) من إرجاع سائر معاني الأمر إلى مفهوم واحد هو الشيء (٢).

__________________

(١) ولكنه ليس مساوقاً مع مفهوم الطلب تماماً فان الطلب بمعنى السعي نحو تحصيل شيء سواء من قبل الطالب نفسه أو بدفع غيره إليه بينما الأمر موضوع بإزاء المفهوم الاسمي المنتزع من تحريك الغير ودفعه بصيغة الأمر أو غيرها نحو تحقيق شيء.

(٢) كفاية الأصول ، ج ١ ، ص ٩٠.

١١

ولاحظ عليه المحققون المتأخرون كالنائيني والأصفهاني ( قدهما ) بأن مفهوم الشيء بعرضه العريض لا يناسب ان يكون هو مدلول الأمر ، لأن الشيء يطلق على الجوامد أيضا فيقال : زيد شيء ، ولا يقال أمر ومن هنا استقرب أن يكون المعنى الثاني الجامع بين المعاني الأخرى للأمر هو الواقعة والحادثة أو الواقعة والحادثة الخطيرة المهمة (١) والمحقق الأصفهاني أيضا يرى ان المناسب أن يكون المعنى الآخر للأمر هو الفعل والحدث (٢).

والصحيح ان مدلول كلمة الأمر حسب المستفاد من استعمالاتها في غير الطلب وان لم يكن يساوق مفهوم الشيء بعرضه العريض ، الا انه ليس مخصوصا بالحادثة أو الواقعة المهمة أو الحدث بدليل عدم التناقض في قولك كلام فلان أمر غير مهم ، وعدم العناية والمجاز في قولك اجتماع النقيضين أمر محال ، أو شريك الباري أمر محال. وعدم مجيء زيد أمر عجيب مع ان المحال وكذلك العدم ليس واقعة أو فعلا ، بل نحن نرى ان كلمة الأمر تستعمل في الجوامد أيضا حينما تكون من قبيل أسماء الأجناس فيقال النار أمر ضروري في الشتاء. نعم العلم بالذات أو بالإشارة لا يطلق عليه أمر فمفهوم الأمر مساوق مع شيء من الخصوصية بمعنى انه مطعم بجانب وصنعي فلا يطلق على ما يتمحض في العلمية والذاتيّة.

وأمّا المحاولة الثانية ـ وهي توحيد معاني الأمر في معنى واحد جامع فقد وقعت هذه المحاولة بأحد أنحاء ثلاثة :

الأول ـ إرجاع غير المعنى الطلبي إلى الطلب كما استقر به المحقق الأصفهاني ( قده ) فانه بعد ان ارجع معنى الأمر إلى الفعل قال ويمكن القول بان استعماله في الفعل يرجع إلى استعماله في الطلب بنحو من العناية لأن الفعل في معرض ان يطلب فكما يعبر عنه بمطلب ولو لم يتعلق به الطلب بالفعل كذلك يعبر عنه بأمر بنكتة الشأنية والمعرضية لأن يتعلق به (٣).

__________________

(١) أجود التقريرات ، ج ١ ، ص ٨٦.

(٢) نهاية الدراية ، ج ١ ، ص ١٠٣ ـ ١٠٤.

(٣) نفس المصدر السابق.

١٢

ويرد عليه : ما عرفت من ان استعمال الأمر بغير المعنى الطلبي ليس مخصوصا بما يكون فعلا بل قد يطلق على ما لا يمكن أن يطلب كما في شريك الباري أمر مستحيل (١).

الثاني ـ إرجاع المعنى الطلبي إلى غير الطلب وهو ما استقر به المحقق النائيني ( قده ) على ما جاء في تقرير بحثه حيث قال يمكن القول بأن الطلب ليس معنى برأسه في قبال مفهوم الواقعة أو الحادثة بل مصداق من مصاديقها (٢).

وفيه : أولا ـ انه لو كان يطلق على الطلب الأمر باعتباره مصداقا للواقعة لم يكن فرق بين الطلب التشريعي والتكويني لأن كليهما واقعة مع انه لا يصح ان يطلق على الطلب التكويني أمر فإذا طلب زيد المال لا يقال انه أمر به.

وثانيا ـ ان الأمر يتعدى إلى متعلق الطلب كالطلب نفسه فيقال أمر بالصلاة مما يعني أنه يساوق مفهوم الطلب لا انه منتزع منه كواقعة وحادثة والا لم يكن صالحا للتعدي والإضافة إلى متعلقه.

الثالث ـ ان الأمر موضوع للجامع بين الطلب والواقعة.

ويرد عليه مضافا على ما تقدم في إبطال النحو السابق ان هذا الجامع ان أريد به جامع أوسع انطباقا من مجموع مفهومي الطلب والواقعة كمفهوم الشيء مثلا فمن الواضح ان كلمة الأمر ليست أوسع انطباقا من كلا الأمرين ولو أريد به جامع مساو لمجموعهما فهو عبارة أخرى عن نفس الواقعة فانها تصدق على نفسها وعلى الطلب فرجع إلى النحو الثاني.

ثم ان محاولة إرجاع معاني الأمر إلى معنى واحد جامع في نفسه بعيد جدا. وذلك لأمرين :

أولهما ـ اختلاف صيغة جمع الأمر بمعنى الطلب عن صيغة جمعه بمعنى الواقعة. فان الأول يجمع على أوامر والثاني على أمور ومن البعيد جدا تعدد الجمع بلحاظ اختلاف

__________________

(١) على ان صدق المصدر في الأفعال ذات الإضافة على متعلقاتها فيقال هذا مطلبي أو طلبي انما يصح مع ملاحظة حيثية تعلق المبدأ ، وهو الطلب ، به ونحن بحسب وجداننا نرى اننا لا نحتاج في إطلاق كلمة الأمر على شيء إلى ملاحظة هذه الحيثية أصلا.

(٢) أجود التقريرات ، ج ١ ، ص ٨٦.

١٣

المصاديق مع وحدة المفهوم فان هذا غير معهود في اللغة (١).

ثانيهما ـ ان الأمر بمعنى الطلب يشتق منه فيقال آمر مأمور بينما الأمر بمعنى الواقعة جامد لا يشتق منه ، وكون ذلك بملاك الاختلاف في المصاديق غير معهود في اللغة أيضا.

__________________

(١) هامش المصدر السابق.

١٤

« الجهة الثانية ـ في اعتبار العلو أو الاستعلاء في الأمر »

قد اختلف العلماء في اعتبار العلو أو الاستعلاء أو الجامع بينهما في صدق الأمر.

والتحقيق ان هذا البحث تارة يساق بلحاظ ما هو موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة ، وحينئذ لا ينبغي الإشكال في اعتبار العلو الحقيقي لكي يحكم العقل بلزوم طاعة الأمر سواء كان بلسان الاستعلاء أو بلسان « من يقرض الله قرضا حسنا ».

وأخرى يساق بلحاظ تحديد ما هو المعنى اللغوي للأمر وحينئذ تكون ثمرة البحث فقهية لا أصولية تظهر في مثل ما إذا ورد مثلا تجب إطاعة أمر الوالد فهل يشترط فيه الاستعلاء من قبل الأب مثلا أم لا على إشكال في هذه الثمرة من ناحية وضوح ان ما هو ملاك مثل هذا الحكم بحسب المناسبات العرفية ليس هو استعلاء الوالدين بل علوهما الحقيقي.

وأيا ما كان فالظاهر اشتراط العلو في صدق الأمر دون الاستعلاء فليس بشرط كما ان طلب المستعلي لا يسمى امرا حقيقة وان كان بحسب نظره وادعائه أمرا.

١٥
١٦

« الجهة الثالثة ـ في دلالة الأمر على الوجوب »

والبحث عن دلالته على الوجوب تارة في أصل الدلالة وأخرى في ملاكها ومنشئها.

اما أصل الدلالة. فربما يستدل عليه بجملة من الآيات والروايات من قبيل قوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) الدال على أن الأمر ظاهر في الطلب الوجوبيّ والا لم يترتب على مخالفته عقوبة لكي يكون موضوعا للتحذر ولكان اللازم التقييد بالأمر الوجوبيّ بالخصوص.

وفيه : ان هذا من التمسك بأصالة العموم والإطلاق في مورد الدوران بين التخصيص والتخصص حيث يعلم بعدم الموضوع للتحذر إذا كان الطلب استحبابيا فيتمسك بإطلاق الأمر لإثبات خروج الطلب الاستحبابي عن الأمر بعد العلم بخروجه عن الحكم على كل حال ولا يصح التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص حتى إذا قيل بهما كبرويا لأنه فرع ما إذا لم يكن في المورد على تقدير التخصيص قرينة متصلة تدل عليه والا لما كان التخصيص خلاف الأصل وكان التخصيص والتخصص على حد سواء وما نحن فيه من هذا القبيل لأن بداهة عدم

١٧

التحذر في الطلب الاستحبابي قرينة متصلة على الاختصاص بالطلب الوجوبيّ (١).

هذا ونحن في غنى عن مثل هذه الاستدلالات فانه مما اتفق عليه المحققون دلالة مادة الأمر على الوجوب بحكم التبادر وبناء العرف والعقلاء على كون الطلب الصادر من المولى بمادة الأمر وجوبا ولم يستشكل فقيه في استفادة الوجوب من لفظ أمر ورد في لسان الشارع عند عدم القرينة على الاستحباب.

وانما الّذي وقع فيه البحث هو كيفية تفسير هذه الدلالة وتحديد منشئها.

وقد اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة :

١ ـ أن تكون الدلالة على أساس الوضع للوجوب.

٢ ـ أن تكون بحكم العقل.

٣ ـ أن تكون بالإطلاق ومقدمات الحكمة.

وقد ذهب المشهور إلى القول الأول وذهبت مدرسة المحقق النائيني ( قده ) إلى القول الثاني وذهب المحقق العراقي إلى القول الثالث. وهذه الأقوال والاحتمالات الثلاثة واردة في صيغة الأمر أيضا على حد واحد ، لأن دلالتها على الوجوب كدلالة مادته مفروغ عنها بحكم التبادر والوجدان العقلائي وانما البحث في تفسيرها وملاكها ونحن هنا نبحث عن تفسير دلالة الأمر على الوجوب بلحاظ المادة والهيئة معا. فنقول : أما القول الأول فدليله التبادر مع إبطال سائر المناشئ الأخرى المدعاة لتفسير هذا التبادر.

وأما القول الثاني فقد ذكر المحقق النائيني في إثباته ان الوجوب ليس مدلولا للدليل اللفظي وانما مدلوله الطلب فحسب وكل طلب يصدر من العالي إلى الداني ولا يقترن بالترخيص في المخالفة يحكم العقل بلزوم امتثاله وإطاعته وبهذا اللحاظ ينتزع عنوان الوجوب منه بينهما إذا اقترن بالترخيص المذكور لم يلزم العقل بموافقته وبهذا اللحاظ يتصف بالاستحباب فكل من الوجوب والاستحباب شأن من شئون حكم

__________________

(١) لعل الأوفق ان يقال بأن الأمر في هذه الآية وأمثالها يعلم باستعماله في خصوص الطلب الوجوبيّ ولو بقرينة التحذر الا أن الاستعمال أعم من الحقيقة.

١٨

العقل المترتب على طلب المولى (١).

ويرد عليه : أولا ـ ان موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال لا يكفي فيه مجرد صدور الطلب مع عدم اقترانه بالترخيص لوضوح ان المكلف إذا اطلع بدون ترخيص من قبل المولى على ان طلبه نشأ من ملاك غير لزومي ولا يؤذي المولى فواته لم يحكم العقل بلزوم الامتثال وهذا يعني ان الوجوب العقلي فرع مرتبة معينة في ملاك الطلب وهذه المرتبة لا كاشف عنها الا الدليل اللفظي فلا بد من أخذها في مدلول اللفظ لكي ينقح بذلك موضوع الوجوب العقلي وهو معنى كون الدلالة لفظية.

وثانيا ـ ان الالتزام بهذا المبنى تترتب عليه آثار لا يمكن الالتزام بها فقهيا ، وتكون منهجا جديدا في الفقه وفيما يلي نذكر بعض ما يمكن ان ينقض به على هذا المسلك مما لا يلتزم به حتى أصحاب هذا المسلك أنفسهم :

منها ـ لزوم رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب فيما إذا اقترن بأمر عام يدل على الإباحة والترخيص كما إذا ورد أكرم الفقيه ولا بأس بترك إكرام العالم. وتوضيحه : ان بناء الفقهاء والارتكاز العرفي على تخصيص العام في مثل ذلك والالتزام بوجوب إكرام الفقيه واعتباره من التعارض غير المستقر بينما على هذا المسلك لا تعارض أصلا ولو بنحو غير مستقر بين الأمر والعام ليقدم الأمر بالأخصية لأن الأمر لا يتكفل الا أصل الطلب وهو لا ينافي الترخيص في الترك ، بل المتعين على هذا المسلك ان يكون العام رافعا لموضوع حكم العقل بالوجوب لأن حكم العقل معلق على عدم ورود الترخيص من المولى كما ذكر في شرح هذا المسلك. ودعوى ان موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو الطلب الّذي لو كان دالا لفظا على الوجوب لما قدم عليه الترخيص ، تحكم واضح.

ومنها ـ انه لو صدر امر ولم يقترن بترخيص متصل ولكن احتملنا وجود ترخيص منفصل فالبناء الفقهي والعقلائي على استفادة الوجوب من الأمر حتى يثبت خلافه مع ان هذا مما لا يمكن إثباته على هذا المسلك لأنه قد فرض فيه ان العقل انما يحكم

__________________

(١) أجود التقريرات ، ج ١ ، ص ٩٥ ـ ٩٦.

١٩

بالوجوب معلقا على عدم ورود الترخيص من الشارع وحينئذ نتساءل هل يراد بذلك كونه معلقا على عدم اتصال الترخيص بالأمر أو على عدم صدور الترخيص من المولى واقعا ولو بصورة منفصلة أو على عدم إحراز الترخيص والعلم به؟ والكل باطل.

أما الأول ـ فلأنه يستلزم كون الترخيص المنفصل منافيا لحكم العقل بالوجوب فيمتنع وهو واضح البطلان وما أكثر القرائن المنفصلة على عدم الوجوب.

وأما الثاني ـ فلأنه يستلزم عدم إمكان إحراز الوجوب عند الشك في الترخيص المنفصل مع القطع بعدم وروده متصلا لأنه معلق بحسب الفرض على عدم ورود الترخيص ولو منفصلاً فمع الشك فيه يشك في الوجوب لا محالة.

وأما الثالث ـ فهو خروج عن محل الكلام لأن البحث في الوجوب الواقعي الّذي يشترك فيه الجاهل والعالم لا في المنجزية (١).

وأما القول الثالث ـ وهو ان تكون الدلالة على الوجوب بالإطلاق فيمكن تقريبه بوجوه :

الأول ـ ما ذكره المحقق العراقي ( قده ) من ان الأمر مادة وصيغة يدل على إرادة المولى وطلبه وهي تارة شديدة كما في الواجبات وأخرى ضعيفة كما في المستحبات.

وحيث ان شدة الإرادة من سنخها بخلاف ضعفها التي تعني عدم المرتبة الشديدة من الإرادة فتتعين بالإطلاق الإرادة الشديدة لأنها بحدها لا تزيد على الإرادة بشيء

__________________

(١) على انه في أكثر الفروض يمكن إحراز الترخيص بأمثال أدلة رفع ما لا يعلمون لو اكتفي بالترخيص الظاهري أو استصحاب الإباحة والترخيص الثابت في أول الشرع لو اكتفي بمطلق الإباحة لا خصوص ما يكون بعنوان الترخيص في مخالفة الأمر ثم انه يمكن ان ينقض على هذا المسلك أيضا بأمور أخرى لا يلتزم بها في الفقه عادة.

منها ـ ما سوف يأتي من عدم انثلام ظهور الأمر في الوجوب لو ورد في سياق أوامر استحبابية بل بأمر واحد كما إذا ورد صلّ للجمعة والجماعة والعيدين لأن العلم بالترخيص في الترك بلحاظ بعض الفقرات ليس تصرفا في مدلول لفظي لها أصلاً لكي يؤثر ذلك على الظهور.

ومنها ـ إذا نسخ الوجوب وقع بينهم البحث في انه هل يثبت الجواز أو الاستحباب؟ والمشهور عند المحققين عدم ثبوت الاستحباب مع انه على هذا المسلك يتعين ذلك لأن الناسخ انما يرفع حكم العقل بالوجوب ولا ينفي مدلول الأمر وهو الطلب فيثبت الاستحباب.

ومنها ـ النقض بالأمر في موارد توهم الحظر حيث لا إشكال في عدم استفادة الوجوب منها مع انه على هذا المسلك لا بد من استفادته لوجود الطلب مع عدم الترخيص من المولى في الترك. اللهم الا ان يفترض بأن مقام الحظر بنفسه يكون قرينة على ان الأمر لم يستعمل في الطلب بل في مجرد رفع الحظر والاذن في الفعل.

٢٠